الحيل النفسية الدفاعية
لا يزال اسم “سيجموند فرويد” (1856-1939) Sigmund Freud يتبادر إلى أذهان الكثيرين عندما يسمعون كلمة “علم النفس”، ذلك الطبيب النمساوي مؤسس مدرسة التحليل النفسي، والذي اشتهر بأفكاره الملفتة للنظر والمثيرة للجدل في الوقت ذاته، والتي غيرت مسار النظريات حول العقل البشري لأكثر من قرن.
ترى نظرية فرويد في التحليل النفسي أن عقلنا الواعي ما هو إلا واجهة تخفي وراءها 90% مما يتم بشكل لاشعوري داخل أمخاخنا ولا نعرف عنه شيئًا، واعتبر أن عقلنا اللاواعي كثيرًا ما يؤثر على عقلنا الواعي عند اتخاذ القرارات. ووفقًا لنظرية فرويد، فإن المنظومة البنائية التي تصف العقل البشري تتكون من ثلاثة عناصر، يمكن النظر إليها مجتمعة باعتبارها النفس الإنسانية، وهذه العناصر هي:structural-iceberg-svg11
1- الهذا (*) ID؛ ويشير إلى إلى دوافع الإنسان الغريزية (المستوى الغريزي)، وأهمها غريزة الجنس والغرائز العدوانية. وينظر فرويد إلى هذه الغرائز باعتبارها دافع الإنسان الرئيسي للقيام بكل نشاطاته، حتى ما نعتبره نشاطًا روحيًّا كالعبادات الدينية.
2- الأنا الأعلى Super Ego؛ وهو الذي تعارفنا عليه باسم “الضمير” الذي يوجه الإنسان لاتباع المُثل العليا. ويمثل كل من الهذا والأنا الأعلى (الشق اللاواعي للعقل).
3- الأنا Ego؛ وهو الشق الواعي للعقل، والذي يحاول أن يتوسط دوافع الهذا الغريزية وتوجيهات الأنا الأعلى ليشكل السلوك المناسب الذي نتعامل به في حياتنا.
وبين العقل الواعي Conscious والعقل اللاواعي Unconscious توجد “النشاطات العقلية قبل الواعية” Precocious، كالذاكرة التي تحتفظ بالمعلومات التي لا نفكر فيها الآن (**).
وبالرغم من الكثير من الانتقادات العلمية التي وجّهت إلى فرويد، فإنه لا ينبغي أن ننكر عبقريته التي تمثلت في ثلاثة إنجازات رئيسية:
1- كان فرويد -انطلاقًا من تخصصه كطبيب أعصاب- من الرواد الذين قالوا بأن النفس البشرية يمكن أن تخضع للتمحيص العلمي.
2- نبّهنا فرويد إلى أن عقلنا الواعي ما هو إلا واجهة تخفي وراءها الكثير مما يتم بشكل لاشعوري داخل أمخاخنا.
3- كشف فرويد عن آليات الدفاع النفسي التي نمارسها يوميًا بشكل لاشعوري، وطرحها للتحليل العلمي.
ما هي آليات الدفاع النفسي؟
آليات الدفاع النفسي Defence Mechanisms هي عبارة عن وسائل تلجأ إليها النفس بشكل لاواعي لمنع التوتر الناتج من الصراعات النفسية الداخلية. وهي تختلف عن آليات التكيّف Coping Mechanisms؛ تلك التي تُستخدم بطريقة “واعية” وبشكل مقصود بهدف التكيّف مع المجتمع ومسايرة الضغوط [1].
وأول من لاحظ وجود هذه الدفاعات النفسية هو سيجموند فرويد، حيث أشار إلى عدد منها في كتاباته، ونذكر منها ما يلي:
1- التسامي Sublimation: حيلة نفسية فيها يحاول الفرد التعبير عن دوافعه غير المقبولة بصورة أخرى مقبولة إجتماعيًا، عن طريق تحويلها إلى أنماط سلوكية مقبولة في المجتمع.
ولا شك أنها وسيلة مقبولة وناجحة جدًا، فمثلًا يمكن للفرد أن يستخدم هذه الآلية الدفاعية للتعبير عن غضبه وتفريغ شعوره العدواني من خلال الألعاب الرياضية، أو يُعبّر عن دوافعه وأفكاره غير المقبولة إجتماعيًا من خلال طرق فنية إبداعية كالرسم أو التمثيل أو كتابة الشعر.
2- الكبت Repression: وهو عملية لاواعية يتم فيها إخفاء أو استبعاد الدوافع أو الأفكار أو الذكريات من منطقة الوعي إلى منطقة اللاوعي، كحل نهائي للصراع الناتج من تلك الدوافع أو الأفكار أو الذكريات، فيتم إبعادها تمامًا من مستوى الشعور.
إلا أن هذه الدوافع أو الأفكار أو الذكريات تعود إلى الظهور بشكل ملتوي وغير مباشر، فتظهر في زلة لسان أو هفوة أو حُلم أو مرض نفسي، فتعود إلى الظهور بشكل مقنّع.
والكبت يختلف عن القمع Suppression والذي يتم بشكل واعي ومقصود، بحيث يتم تأجيل إشباع الرغبات والدوافع واستبعادها بشكل مؤقت إلى أن تتهيأ الظروف المناسبة.
3- النكوص Regression: يُقصد بالنكوص عودة الفرد إلى مرحلة مبكرة من النمو كان يشعر فيها بالأمان، والعودة إلى ممارسة السلوك الذي كان يمارسه في تلك المرحلة، فهذه الآلية تعبّر عن هروب إلى سلوك أكثر بهجة وراحة للفرد، وغالبًا ما يُستخدم لمواجهة القلق والتكيّف مع الإحباط To Cope With Frustration.
الأمثلة الشائعة عن النكوص تتضمن: الأحلام Dreaming، التدخين Smoking، الإفراط في الطعام Overeating، والتحدث أو التصرف بما يشبه طريقة الأطفال الصغار.
4- الإبدال Displacement: وهو عبارة عن عميلة لاشعورية يقوم فيها الفرد بتحويل دافع موجه نحو موضوع أساسي فيه تهديد للفرد إلى موضوع بديل أقل تهديدًا بالنسبة للفرد.
والمثال الواضح على ذلك: هو الشخص الذي يتعرض لتوبيخ قاسي من مديره في العمل، فيقوم بتحويل مشاعر غضبه تجاه أفراد أسرته، لأن إظهار الغضب تجاه مدير العمل أمر مرفوض ويخلق تهديدًا وقلقًا للفرد، فبدلًا من ذلك فإن الشخص يُعيد توجيهه نحو أفراد الأسرة الذين هم أقل تهديدًا بالنسبة له.
ووفقًا لمدرسة التحليل النفسي، فإن الإبدال يعتبر وسيلة دفاع رئيسية في حالات الخوف المرضي Phobia.
5- رد الفعل المعاكس Reaction Formation: إحدى الطرق لإزالة الدافع غير المقبول إجتماعيًا هي عن طريق المبالغة في التركيز على جوانبه العكسية والمضادة، فشعور الفرد هنا يكون مضادًا تمامًا لما هو موجود بداخله بشكل لاشعوري.
فمثلًا ربما يتعرض الفرد لتهديد بسبب رغبته في السيطرة وإظهار العدوانية في المواقف الإجتماعية، وبالتالي يعتقد أنه خجول وجبان ويتصرف بسلبية، ويتشكّل سلوكه وفقًا لذلك، فالسلبية والخجل هنا ما هو إلا رد معاكس ضد دافع العدوان القوي بداخله.
كذلك من ضمن الأمثلة: الغيرة الشديدة بين الإخوة في طفولتهم تتحول إلى حب شديد عند الكبر، التمرد والعصيان يظهر نتيجة للشعور بالظلم والإهمال، والتكبر نتيجة للشعور بالنقص، وهكذا.
ومن الصعب التمييز بين ما إذا كان السلوك مظهر للدافع الحقيقي أو مظهر لعكس الدافع، لكن من أهم الصفات المييزة للرد المعاكس، هي إما ظهوره بشكل زائد ومبالغ، أو ظهوره مع مقاومة داخل الفرد.
6- الإسقاط Projection: وهو حيلة دفاعية لاشعورية ينسب فيها الفرد رغباته ودوافعه غير المقبولة إلى الآخرين، فيتخلص من عيوبه عن طريق إسقاطها على الآخرين ورؤيتها فيهم، دفاعًا عن نفسه وحمايتها من القلق.
وقد ضرب فرويد مثالًا على ذلك بالزوج الغيور الذي يصف زوجته بعدم الإخلاص، فهو في الحقيقة يُسقط صفة في نفسه عليها، لأنه لم يستطع مواجهة تلك الصفة ومعالجتها في نفسه.
ومن الأمثلة الأخرى: الإنسان الكاذب الذي يتهم الآخرين بالكذب، الشخص الذي يُضمر العداوة للآخرين فيُسيئ الظن فيهم، والمرأة التي تحب رجلًا فتتهمه هو بمغازلتها، وهكذا.
7- الاستدماج Introjection: وهو على عكس الإسقاط، فبدلًا من أن يُسقط الفرد ما بداخله على من حوله بالخارج (كما في عملية الإسقاط)، فإنه هنا يأخذ أفكارًا أو موضوعات من العالم المحيط به ويدمجها داخل ذاته، بحيث تصبح جزءًا من ذاته.
فمثلًا عندما يُعجب الفرد بفكرة ما فإنه يتبناها كاملة ويمتصها إلى عالمه الداخلي بحيث تصير جزءًا من ذاته.
8- التبرير Rationalization: عندما يقوم الفرد بسلوك غير مقبول ثم يحاول التخلص من الشعور بالذنب أو القلق الناتج منه عن طريق إيجاد تسويغ أو تبرير معقول لهذا السلوك، هذه الطريقة للدفاع النفسي تسمى بالتبرير، وغالبًا ما تُستخدم من أجل الحفاظ على تقدير وقيمة الذات Self esteem.
أيضًا هذه الطريقة تُعرف بالعنب الحامض Sour Grapes؛ فبعد أن فشل الذئب في الوصول إلى العنب، أقنع نفسه أن العنب حامض.
9- الإبطال Undoing: وهو آلية دفاعية تعمل على إبطال أو محو فكر أو فعل غير سليم مهدد للفرد، عن طريق التراجع عنه بفعل آخر مضاد له، للتخلص من الشعور بالذنب أو القلق المرافق له. ويرى فرويد أن هذه الحيلة تعتبر “سحر سلبي”، حيث يقدم به الفرد شيئًا معاكسًا لما فعله أو فكّر به وكان غير مقبول.
فمثلًا الأم التي تعاقب طفلها وتشعر بالذنب نتيجة لذلك، تحاول أن تتراجع أو تبطل ذلك العقاب عن طريق إغراقه بالقبلات والعطف والألعاب.
مثال آخر: الشخص الذي ينوي أن يكون عنيفًا تجاه شخص ما، فإنه بعد التفكير ونتيجة لعملية الإبطال يعامله بطلف أكثر من اللازم.
10- العزل Isolation: وهي حيلة يلجأ إليها الفرد بشكل لاشعوري وتتمثل في عزل المشاعر عن الحدث Isolation of Affect، بهدف تجنب الانفعالات العاطفية غير السارة ولأجل حماية النفس من القلق والتوتر.
فمثلًا الطبيب في غرفة العمليات يلجأ إلى استخدام هذه الحيلة الدفاعية حتى يُتم عمله بنجاح.
اهتم سيجموند فرويد بدراسة آليات الدفاع النفسي، وتبعته بعد ذلك ابنته آنا فرويد Anna Freud حيث قامت بتطوير هذه الأفكار، إلا أنها قضت المزيد من الوقت والأبحاث على خمس آليات دفاعية وهي: التسامي، الكبت، النكوص، رد الفعل المعاكس، والإسقاط. ثم أصدرت كتابها عام 1936م عن آليات الدفاع النفسي بعنوان: “The Ego and the Mechanisms of Defence” وعدّدت فيه الدفاعات النفسية التي درسها أبيها.
والكثير من علماء النفس أضافوا العديد من الدفاعات النفسية الأخرى واجتهدوا في تصنيفها، ففي عام 1977م صنّف جورج إيمان فايلانت George Eman Vaillant الدفاعات النفسية (في كتابه “Adaptation to Life“) طبقًا لمراحل النمو النفسي إلى أربعة مستويات:
المستوى الذهاني المرضي Psychotic
المستوي غير الناضج Immature
المستوى العصابي Neurotic
المستوى الناضج Mature
وفيما يلي عرض سريع لأهم آليات الدفاع النفسي الأخرى:
التقمص Identification: وهو عبارة عن عملية لاواعية يتحد فيها الفرد مع أفكار وسلوك ودوافع شخص آخر.
والتقمص يختلف عن التقليد Imitation، فالتقليد يصدر عن قصد ووعي من الفرد، بينما التقمص يحدث بدون قصد وبشكل لاشعوري، فالفرد يتقمص شخصيات من يرى فيهم القدوة والمثل الأعلى، فالطفل يتقمص دور أبيه دون أن يقلده، فيذهب إلى المدرسة ليتعلم مثل أبيه، وكذلك معظم الآباء يتحدوا بأبنائهم، ويظهر ذلك في رغبة الأب بأن يكون ابنه استمرارًا واقعيًا له، فيدفعه لتحقيق ما فشل هو في تحقيقه.
وهكذا، فنحن نميل لأنْ نتقمص بمن يشبع دوافعنا ويحقق ميولنا، كنوع من إشباع وإرضاء هذه الدوافع بشكل لاواعي.
ومن الأمثلة المشهورة لعملية التقمص، تقمص المُشاهدين لدور أبطال الأعمال السينمائية، فيسعدون عندما ينجح البطل، ويحزنون عندما يتألم البطل.
أيضًا من أمثلة التقمص، ما يُعرف بالتقمص مع المعتدي أو Identification with The Aggressor؛ وهنا يكون التقمص بدافع الخوف، فالفتاة التي تخشى من أمها ولا تتمكن من مواجهتها، فإنها تضطر إلى التوحد معها بشكل لاشعوري اتقاءًا لأذاها، وكذلك الطفل الذي يخشى أباه ولا يتمكن من مواجهته، فإنه يسعى إلى تقمص دوره خوفًا منه.
التقمص الإسقاطي Projective Identification: ويُمثل خطوة أبعد من الإسقاط المجرد، ففي التقمص الإسقاطي لا يكتفي الفرد بمجرد إسقاط الدافع على غيره، وإنما يبحث بشكل لاواعي عن الدافع في غيره محاولًا أن يجعله تجسيدًا لذلك الدافع، بغرض التهرب من رؤيته في نفسه هو.
فالفرد الذي يمارس التقمص الإسقاطي عندما يمر بضغوط نفسية مثلًا، فإنه لا يسعى لمجرد إسقاط هذه الضغوط على غيره بإتهامهم بها، وإنما يحاول أن يجعل الآخر متقمصًا لذلك الشعور، فيتصرف كما لو أن غيره كذلك، وربما يسأله متعجبًا: لماذا أشعر أنك في ضيق؟!.
الإنكار Denial: وهذه الحيلة تتمثل في رفض المواقف الواقعية المؤلمة وإنكار وجودها، لأنها تهدد الذات مباشرة.
فمثلًا بعض الأفراد يرفضون تقبل وفاة الشخص الذي يحبونه، ويتصرفون كما لو أنه ما يزال موجودًا وعلى قيد الحياة.
التعويض Compensation: وهي حيلة تلجأ إليها النفس حين تشعر بالنقص في جانب ما، فتسعى إلى تقوية جانب آخر لتعويض هذا النقص.
فمثلًا ربما نجد من فشل في تحصيل العلم ينخرط في دوامة من الأنشطة والأعمال التي تجلب له كمًّا هائلًا من المال، بحيث يُكسبه الإحساس بالقوة التي حرمه منها الفشل في تحصيل العلم.
الاستذهان Intellectualization: وهو عبارة عن عزل المشاعر عن الحدث واستبدالها بالتفكير عن طريق التركيز على الأجزاء العقلانية، فهو لا يكتفي بعزل العاطفة فحسب (كما في آلية العزل Isolation) وإنما يستبدلها بالتفكير المنطقي، فيستخدم التفكير لتجنب العاطفة، فيشرع في تحليل أسباب الحادث مثلًا وكيف حدث، بهدف منع الصراعات والانفعالات النفسية الناتجة من ذلك الحدث.
وهذه الآلية يمكن أن تظهر عندما يتم تشخيص فرد ما بمرض خطير، فيبدأ الفرد في البحث عن هذا المرض والإحصائيات المسجلة عنه ونحو ذلك، فهو بذلك يعزل نفسه عن العاطفة تجنبًا للحزن والاكتئاب، ويستبدلها بنظرة موضوعية وعقلانية.
التنفيس Acting-Out: وهذه الآلية تتمثل في التعبير عن المشاعر بشكل مبالغ فيه، وكأن الفرد يعجز عن التعبير عن انفعاله إلا بهذه الطريقة المبالغ فيها.
وتظهر هذه الآلية عند تكسير أو إلقاء الأدوات في حالات الغضب الشديد.
السلبية العدوانية Passive Aggressive: وتتمثل في التعبير عن الغضب والعداء تجاه الآخرين بطرق سلبية أو غير مباشرة، من خلال الإهانة المقنعة بالمزاح مثلًا، أو تعطيل الأعمال المهمة بالنسبة للآخرين، وهكذا.
وفي ختام هذا المقال، جدير بنا أن نشير إلى عدد من الملاحظات الهامة:
1- جميعنا -سواء أكنا أسوياء أم مرضى نفسيين- نلجأ إلى استخدام هذه الدفاعات النفسية في حياتنا اليومية، فبعضنا يستخدم هذه الدفاعات بشكل معتدل وناضج بحيث يتناسب مع الموقف ويتوافق مع المجتمع، وبعضنا يميل إلى الإسراف في استخدام هذه الدفاعات، مما يؤدي إلى سوء توافق وظهور مشكلات نفسية [2]. فالإسراف في استخدام أسلوب الاستدماج Introjection مثلًا يؤدي إلى اكتئاب Depression، وكذلك الإسراف في أسلوب الإسقاط Projection يؤدي إلى شك مرضي Paranoia، والإسراف في آلية الإبدال Displacement يؤدي إلى خوف مرضي Phobia، وهكذا.
2- وفقًا لنظرية أوتو كيرنبيرج Otto Kernberg (الخاصة بتنظيم الشخصية الحدية) [3]، فإن اضطراب الشخصية الحدية يمكن أن ينشأ نتيجة استخدام دفاعات نفسية معينة، وهي: الإسقاط Projection، الإنكار Denial، الإنفصال Dissociation، الإنشطار Splitting، وآلية التقمص الإسقاطي Projective Identification. وهذه الدفاعات تُسمى بالآليات الحدية للدفاع النفسي Borderline Defence Mechanisms.
3- الفرد في مواجهة أحد الدوافع أو المواقف قد يستخدم أكثر من حيلة نفسية، وقد يلجأ إلى حيلة واحدة لإشباع أكثر من دافع أو مواجهة أكثر من موقف في نفس الوقت.
4- آليات الدفاع النفسي Defence Mechanisms تعمل على المستوى اللاواعي، أما عندما نستخدمها بشكل واعي ومقصود فتسمى بآليات التكيّف Coping Mechanisms.
5- أحد أهم المصادر المستخدمة لتقييم الدفاعات النفسية مقياس يسمى [4] باستطلاع أسلوب الدفاع النفسي DSQ-40.
أيضًا، الدليل التشخيصي والإحصائي الرابع للاضطرابات النفسية DSM-IV يتضمن عددًا من المحاور التشخيصية التجريبية لهذه الدفاعات النفسية [المصدر]، وقد اعتمد بشكل أساسي على تصنيف جورج إيمان فايلانت George Eman Vaillant مع بعض التعديلات.
6- بعض علماء النفس (وفقًا لنظرية روبرت بلاتشك Robert Plutchik) يرون أن الدفاعات النفسية ما هي إلا مشتقات من الانفعالات الأساسية، فمثلًا رد الفعل المعاكس Reaction Formation يتعلق بالمتعة والهوس، الإنكار Denial يتعلق بتقبل الواقع والهستيريا، الكبت Repression يتعلق بالخوف والسلبية، النكوص Regression يتعلق بالاندهاش والحدية، التعويض Compensation يتعلق بالحزن والاكتئاب، الإسقاط يتعلق بالاشمئزاز والشك المرضي، الإبدال Displacement يتعلق بالغضب والعدوان، والاستذهان Intellectualization يتعلق بالتوقع والوساوس، وهكذا [المصدر: كتاب Emotions in personality and psychopathology: Chapter 8; A Structural Theory of Ego Defences and Emotions].
هامش:
(*) يُتَرْجم مصطلح “ID” أيضًا إلى “الذات”، ولم نستخدم هذه الترجمة لأن نظرية فرويد ترى أن الذات تشمل العناصر الثلاثة معًا. كما يُترجم إلى الـ”هو”، ولم نستخدم هذه الترجمة لأنها توحي بأننا نتحدث عن شخص آخر!
(**) وجّهت لنظرية فرويد الكثير من الانتفادات والمآخذ العلمية؛ من ضمنها: أنها لا تفسر الكثير من النشاطات العقلية كحرية الإرادة، كما أنها تختزل كل دوافع الإنسان في الدوافع الغريزية (الجنسية والعدوانية).
ولذلك فإن عددًا من تلامذة فرويد خالفوه في تفسيره للعقل البشري وطريقة عمل وعي الإنسان، وعلى رأسهم: ألفريد أدلر Alfred Adler (مؤسس مدرسة علم النفس الفردي Individual Psychology)، وكارل يونج Carl Jung؛ حيث لم يقتنع باختزال أفعال الإنسان في الجوانب الغريزية وحدها، ورأي أن هناك عوامل كثيرة تؤثر على دوافع الإنسان في حياته، فأدخل مفهوم الانطواء والانبساط، وأسس مدرسة علم النفس التحليلي Analytical Psychology.
ويرى بعض الباحثين أن السبب في قصور نظرية فرويد هو انطلاقه من حالات مرضية قليلة لا تستوعب استنتاجاته الواسعة في توصيف سلوك الإنسان.
وكمحاولة لتصحيح هذه النظرة القاصرة، ظهرت نظريات فرويدية حديثة Neo-Freudianism، تصف للإنسان دوافع أخرى عديدة، وترى أن جزءًا كبيرًا من هذه الدوافع يُكتسب خلال حياة الإنسان المبكرة (الشق المكتسب).
كذلك ظهرت المدرسة المعروفة بعلم نفس الأنا Ego Psychology التي تنسب الكثير من نشاطاتنا العقلية إلى العقل الواعي، وتجعل للعقل اللاواعي دورًا أقل.
أيضًا، من أهم الانتقادات التي وجّهت لنظرية التحليل النفسي، أنها غير قابلة للفحص والتجربة وفقًا لمعايير المنهج العلمي الحديث، على عكس مدرسة علم النفس المعرفي Cognitive Psychology مثلًا، والتي تنطلق من مراكز المخ ودوائره العصبية، لتفسر مختلف النشاطات العقلية والنفسية.
لا يزال اسم “سيجموند فرويد” (1856-1939) Sigmund Freud يتبادر إلى أذهان الكثيرين عندما يسمعون كلمة “علم النفس”، ذلك الطبيب النمساوي مؤسس مدرسة التحليل النفسي، والذي اشتهر بأفكاره الملفتة للنظر والمثيرة للجدل في الوقت ذاته، والتي غيرت مسار النظريات حول العقل البشري لأكثر من قرن.
ترى نظرية فرويد في التحليل النفسي أن عقلنا الواعي ما هو إلا واجهة تخفي وراءها 90% مما يتم بشكل لاشعوري داخل أمخاخنا ولا نعرف عنه شيئًا، واعتبر أن عقلنا اللاواعي كثيرًا ما يؤثر على عقلنا الواعي عند اتخاذ القرارات. ووفقًا لنظرية فرويد، فإن المنظومة البنائية التي تصف العقل البشري تتكون من ثلاثة عناصر، يمكن النظر إليها مجتمعة باعتبارها النفس الإنسانية، وهذه العناصر هي:structural-iceberg-svg11
1- الهذا (*) ID؛ ويشير إلى إلى دوافع الإنسان الغريزية (المستوى الغريزي)، وأهمها غريزة الجنس والغرائز العدوانية. وينظر فرويد إلى هذه الغرائز باعتبارها دافع الإنسان الرئيسي للقيام بكل نشاطاته، حتى ما نعتبره نشاطًا روحيًّا كالعبادات الدينية.
2- الأنا الأعلى Super Ego؛ وهو الذي تعارفنا عليه باسم “الضمير” الذي يوجه الإنسان لاتباع المُثل العليا. ويمثل كل من الهذا والأنا الأعلى (الشق اللاواعي للعقل).
3- الأنا Ego؛ وهو الشق الواعي للعقل، والذي يحاول أن يتوسط دوافع الهذا الغريزية وتوجيهات الأنا الأعلى ليشكل السلوك المناسب الذي نتعامل به في حياتنا.
وبين العقل الواعي Conscious والعقل اللاواعي Unconscious توجد “النشاطات العقلية قبل الواعية” Precocious، كالذاكرة التي تحتفظ بالمعلومات التي لا نفكر فيها الآن (**).
وبالرغم من الكثير من الانتقادات العلمية التي وجّهت إلى فرويد، فإنه لا ينبغي أن ننكر عبقريته التي تمثلت في ثلاثة إنجازات رئيسية:
1- كان فرويد -انطلاقًا من تخصصه كطبيب أعصاب- من الرواد الذين قالوا بأن النفس البشرية يمكن أن تخضع للتمحيص العلمي.
2- نبّهنا فرويد إلى أن عقلنا الواعي ما هو إلا واجهة تخفي وراءها الكثير مما يتم بشكل لاشعوري داخل أمخاخنا.
3- كشف فرويد عن آليات الدفاع النفسي التي نمارسها يوميًا بشكل لاشعوري، وطرحها للتحليل العلمي.
ما هي آليات الدفاع النفسي؟
آليات الدفاع النفسي Defence Mechanisms هي عبارة عن وسائل تلجأ إليها النفس بشكل لاواعي لمنع التوتر الناتج من الصراعات النفسية الداخلية. وهي تختلف عن آليات التكيّف Coping Mechanisms؛ تلك التي تُستخدم بطريقة “واعية” وبشكل مقصود بهدف التكيّف مع المجتمع ومسايرة الضغوط [1].
وأول من لاحظ وجود هذه الدفاعات النفسية هو سيجموند فرويد، حيث أشار إلى عدد منها في كتاباته، ونذكر منها ما يلي:
1- التسامي Sublimation: حيلة نفسية فيها يحاول الفرد التعبير عن دوافعه غير المقبولة بصورة أخرى مقبولة إجتماعيًا، عن طريق تحويلها إلى أنماط سلوكية مقبولة في المجتمع.
ولا شك أنها وسيلة مقبولة وناجحة جدًا، فمثلًا يمكن للفرد أن يستخدم هذه الآلية الدفاعية للتعبير عن غضبه وتفريغ شعوره العدواني من خلال الألعاب الرياضية، أو يُعبّر عن دوافعه وأفكاره غير المقبولة إجتماعيًا من خلال طرق فنية إبداعية كالرسم أو التمثيل أو كتابة الشعر.
2- الكبت Repression: وهو عملية لاواعية يتم فيها إخفاء أو استبعاد الدوافع أو الأفكار أو الذكريات من منطقة الوعي إلى منطقة اللاوعي، كحل نهائي للصراع الناتج من تلك الدوافع أو الأفكار أو الذكريات، فيتم إبعادها تمامًا من مستوى الشعور.
إلا أن هذه الدوافع أو الأفكار أو الذكريات تعود إلى الظهور بشكل ملتوي وغير مباشر، فتظهر في زلة لسان أو هفوة أو حُلم أو مرض نفسي، فتعود إلى الظهور بشكل مقنّع.
والكبت يختلف عن القمع Suppression والذي يتم بشكل واعي ومقصود، بحيث يتم تأجيل إشباع الرغبات والدوافع واستبعادها بشكل مؤقت إلى أن تتهيأ الظروف المناسبة.
3- النكوص Regression: يُقصد بالنكوص عودة الفرد إلى مرحلة مبكرة من النمو كان يشعر فيها بالأمان، والعودة إلى ممارسة السلوك الذي كان يمارسه في تلك المرحلة، فهذه الآلية تعبّر عن هروب إلى سلوك أكثر بهجة وراحة للفرد، وغالبًا ما يُستخدم لمواجهة القلق والتكيّف مع الإحباط To Cope With Frustration.
الأمثلة الشائعة عن النكوص تتضمن: الأحلام Dreaming، التدخين Smoking، الإفراط في الطعام Overeating، والتحدث أو التصرف بما يشبه طريقة الأطفال الصغار.
4- الإبدال Displacement: وهو عبارة عن عميلة لاشعورية يقوم فيها الفرد بتحويل دافع موجه نحو موضوع أساسي فيه تهديد للفرد إلى موضوع بديل أقل تهديدًا بالنسبة للفرد.
والمثال الواضح على ذلك: هو الشخص الذي يتعرض لتوبيخ قاسي من مديره في العمل، فيقوم بتحويل مشاعر غضبه تجاه أفراد أسرته، لأن إظهار الغضب تجاه مدير العمل أمر مرفوض ويخلق تهديدًا وقلقًا للفرد، فبدلًا من ذلك فإن الشخص يُعيد توجيهه نحو أفراد الأسرة الذين هم أقل تهديدًا بالنسبة له.
ووفقًا لمدرسة التحليل النفسي، فإن الإبدال يعتبر وسيلة دفاع رئيسية في حالات الخوف المرضي Phobia.
5- رد الفعل المعاكس Reaction Formation: إحدى الطرق لإزالة الدافع غير المقبول إجتماعيًا هي عن طريق المبالغة في التركيز على جوانبه العكسية والمضادة، فشعور الفرد هنا يكون مضادًا تمامًا لما هو موجود بداخله بشكل لاشعوري.
فمثلًا ربما يتعرض الفرد لتهديد بسبب رغبته في السيطرة وإظهار العدوانية في المواقف الإجتماعية، وبالتالي يعتقد أنه خجول وجبان ويتصرف بسلبية، ويتشكّل سلوكه وفقًا لذلك، فالسلبية والخجل هنا ما هو إلا رد معاكس ضد دافع العدوان القوي بداخله.
كذلك من ضمن الأمثلة: الغيرة الشديدة بين الإخوة في طفولتهم تتحول إلى حب شديد عند الكبر، التمرد والعصيان يظهر نتيجة للشعور بالظلم والإهمال، والتكبر نتيجة للشعور بالنقص، وهكذا.
ومن الصعب التمييز بين ما إذا كان السلوك مظهر للدافع الحقيقي أو مظهر لعكس الدافع، لكن من أهم الصفات المييزة للرد المعاكس، هي إما ظهوره بشكل زائد ومبالغ، أو ظهوره مع مقاومة داخل الفرد.
6- الإسقاط Projection: وهو حيلة دفاعية لاشعورية ينسب فيها الفرد رغباته ودوافعه غير المقبولة إلى الآخرين، فيتخلص من عيوبه عن طريق إسقاطها على الآخرين ورؤيتها فيهم، دفاعًا عن نفسه وحمايتها من القلق.
وقد ضرب فرويد مثالًا على ذلك بالزوج الغيور الذي يصف زوجته بعدم الإخلاص، فهو في الحقيقة يُسقط صفة في نفسه عليها، لأنه لم يستطع مواجهة تلك الصفة ومعالجتها في نفسه.
ومن الأمثلة الأخرى: الإنسان الكاذب الذي يتهم الآخرين بالكذب، الشخص الذي يُضمر العداوة للآخرين فيُسيئ الظن فيهم، والمرأة التي تحب رجلًا فتتهمه هو بمغازلتها، وهكذا.
7- الاستدماج Introjection: وهو على عكس الإسقاط، فبدلًا من أن يُسقط الفرد ما بداخله على من حوله بالخارج (كما في عملية الإسقاط)، فإنه هنا يأخذ أفكارًا أو موضوعات من العالم المحيط به ويدمجها داخل ذاته، بحيث تصبح جزءًا من ذاته.
فمثلًا عندما يُعجب الفرد بفكرة ما فإنه يتبناها كاملة ويمتصها إلى عالمه الداخلي بحيث تصير جزءًا من ذاته.
8- التبرير Rationalization: عندما يقوم الفرد بسلوك غير مقبول ثم يحاول التخلص من الشعور بالذنب أو القلق الناتج منه عن طريق إيجاد تسويغ أو تبرير معقول لهذا السلوك، هذه الطريقة للدفاع النفسي تسمى بالتبرير، وغالبًا ما تُستخدم من أجل الحفاظ على تقدير وقيمة الذات Self esteem.
أيضًا هذه الطريقة تُعرف بالعنب الحامض Sour Grapes؛ فبعد أن فشل الذئب في الوصول إلى العنب، أقنع نفسه أن العنب حامض.
9- الإبطال Undoing: وهو آلية دفاعية تعمل على إبطال أو محو فكر أو فعل غير سليم مهدد للفرد، عن طريق التراجع عنه بفعل آخر مضاد له، للتخلص من الشعور بالذنب أو القلق المرافق له. ويرى فرويد أن هذه الحيلة تعتبر “سحر سلبي”، حيث يقدم به الفرد شيئًا معاكسًا لما فعله أو فكّر به وكان غير مقبول.
فمثلًا الأم التي تعاقب طفلها وتشعر بالذنب نتيجة لذلك، تحاول أن تتراجع أو تبطل ذلك العقاب عن طريق إغراقه بالقبلات والعطف والألعاب.
مثال آخر: الشخص الذي ينوي أن يكون عنيفًا تجاه شخص ما، فإنه بعد التفكير ونتيجة لعملية الإبطال يعامله بطلف أكثر من اللازم.
10- العزل Isolation: وهي حيلة يلجأ إليها الفرد بشكل لاشعوري وتتمثل في عزل المشاعر عن الحدث Isolation of Affect، بهدف تجنب الانفعالات العاطفية غير السارة ولأجل حماية النفس من القلق والتوتر.
فمثلًا الطبيب في غرفة العمليات يلجأ إلى استخدام هذه الحيلة الدفاعية حتى يُتم عمله بنجاح.
اهتم سيجموند فرويد بدراسة آليات الدفاع النفسي، وتبعته بعد ذلك ابنته آنا فرويد Anna Freud حيث قامت بتطوير هذه الأفكار، إلا أنها قضت المزيد من الوقت والأبحاث على خمس آليات دفاعية وهي: التسامي، الكبت، النكوص، رد الفعل المعاكس، والإسقاط. ثم أصدرت كتابها عام 1936م عن آليات الدفاع النفسي بعنوان: “The Ego and the Mechanisms of Defence” وعدّدت فيه الدفاعات النفسية التي درسها أبيها.
والكثير من علماء النفس أضافوا العديد من الدفاعات النفسية الأخرى واجتهدوا في تصنيفها، ففي عام 1977م صنّف جورج إيمان فايلانت George Eman Vaillant الدفاعات النفسية (في كتابه “Adaptation to Life“) طبقًا لمراحل النمو النفسي إلى أربعة مستويات:
المستوى الذهاني المرضي Psychotic
المستوي غير الناضج Immature
المستوى العصابي Neurotic
المستوى الناضج Mature
وفيما يلي عرض سريع لأهم آليات الدفاع النفسي الأخرى:
التقمص Identification: وهو عبارة عن عملية لاواعية يتحد فيها الفرد مع أفكار وسلوك ودوافع شخص آخر.
والتقمص يختلف عن التقليد Imitation، فالتقليد يصدر عن قصد ووعي من الفرد، بينما التقمص يحدث بدون قصد وبشكل لاشعوري، فالفرد يتقمص شخصيات من يرى فيهم القدوة والمثل الأعلى، فالطفل يتقمص دور أبيه دون أن يقلده، فيذهب إلى المدرسة ليتعلم مثل أبيه، وكذلك معظم الآباء يتحدوا بأبنائهم، ويظهر ذلك في رغبة الأب بأن يكون ابنه استمرارًا واقعيًا له، فيدفعه لتحقيق ما فشل هو في تحقيقه.
وهكذا، فنحن نميل لأنْ نتقمص بمن يشبع دوافعنا ويحقق ميولنا، كنوع من إشباع وإرضاء هذه الدوافع بشكل لاواعي.
ومن الأمثلة المشهورة لعملية التقمص، تقمص المُشاهدين لدور أبطال الأعمال السينمائية، فيسعدون عندما ينجح البطل، ويحزنون عندما يتألم البطل.
أيضًا من أمثلة التقمص، ما يُعرف بالتقمص مع المعتدي أو Identification with The Aggressor؛ وهنا يكون التقمص بدافع الخوف، فالفتاة التي تخشى من أمها ولا تتمكن من مواجهتها، فإنها تضطر إلى التوحد معها بشكل لاشعوري اتقاءًا لأذاها، وكذلك الطفل الذي يخشى أباه ولا يتمكن من مواجهته، فإنه يسعى إلى تقمص دوره خوفًا منه.
التقمص الإسقاطي Projective Identification: ويُمثل خطوة أبعد من الإسقاط المجرد، ففي التقمص الإسقاطي لا يكتفي الفرد بمجرد إسقاط الدافع على غيره، وإنما يبحث بشكل لاواعي عن الدافع في غيره محاولًا أن يجعله تجسيدًا لذلك الدافع، بغرض التهرب من رؤيته في نفسه هو.
فالفرد الذي يمارس التقمص الإسقاطي عندما يمر بضغوط نفسية مثلًا، فإنه لا يسعى لمجرد إسقاط هذه الضغوط على غيره بإتهامهم بها، وإنما يحاول أن يجعل الآخر متقمصًا لذلك الشعور، فيتصرف كما لو أن غيره كذلك، وربما يسأله متعجبًا: لماذا أشعر أنك في ضيق؟!.
الإنكار Denial: وهذه الحيلة تتمثل في رفض المواقف الواقعية المؤلمة وإنكار وجودها، لأنها تهدد الذات مباشرة.
فمثلًا بعض الأفراد يرفضون تقبل وفاة الشخص الذي يحبونه، ويتصرفون كما لو أنه ما يزال موجودًا وعلى قيد الحياة.
التعويض Compensation: وهي حيلة تلجأ إليها النفس حين تشعر بالنقص في جانب ما، فتسعى إلى تقوية جانب آخر لتعويض هذا النقص.
فمثلًا ربما نجد من فشل في تحصيل العلم ينخرط في دوامة من الأنشطة والأعمال التي تجلب له كمًّا هائلًا من المال، بحيث يُكسبه الإحساس بالقوة التي حرمه منها الفشل في تحصيل العلم.
الاستذهان Intellectualization: وهو عبارة عن عزل المشاعر عن الحدث واستبدالها بالتفكير عن طريق التركيز على الأجزاء العقلانية، فهو لا يكتفي بعزل العاطفة فحسب (كما في آلية العزل Isolation) وإنما يستبدلها بالتفكير المنطقي، فيستخدم التفكير لتجنب العاطفة، فيشرع في تحليل أسباب الحادث مثلًا وكيف حدث، بهدف منع الصراعات والانفعالات النفسية الناتجة من ذلك الحدث.
وهذه الآلية يمكن أن تظهر عندما يتم تشخيص فرد ما بمرض خطير، فيبدأ الفرد في البحث عن هذا المرض والإحصائيات المسجلة عنه ونحو ذلك، فهو بذلك يعزل نفسه عن العاطفة تجنبًا للحزن والاكتئاب، ويستبدلها بنظرة موضوعية وعقلانية.
التنفيس Acting-Out: وهذه الآلية تتمثل في التعبير عن المشاعر بشكل مبالغ فيه، وكأن الفرد يعجز عن التعبير عن انفعاله إلا بهذه الطريقة المبالغ فيها.
وتظهر هذه الآلية عند تكسير أو إلقاء الأدوات في حالات الغضب الشديد.
السلبية العدوانية Passive Aggressive: وتتمثل في التعبير عن الغضب والعداء تجاه الآخرين بطرق سلبية أو غير مباشرة، من خلال الإهانة المقنعة بالمزاح مثلًا، أو تعطيل الأعمال المهمة بالنسبة للآخرين، وهكذا.
وفي ختام هذا المقال، جدير بنا أن نشير إلى عدد من الملاحظات الهامة:
1- جميعنا -سواء أكنا أسوياء أم مرضى نفسيين- نلجأ إلى استخدام هذه الدفاعات النفسية في حياتنا اليومية، فبعضنا يستخدم هذه الدفاعات بشكل معتدل وناضج بحيث يتناسب مع الموقف ويتوافق مع المجتمع، وبعضنا يميل إلى الإسراف في استخدام هذه الدفاعات، مما يؤدي إلى سوء توافق وظهور مشكلات نفسية [2]. فالإسراف في استخدام أسلوب الاستدماج Introjection مثلًا يؤدي إلى اكتئاب Depression، وكذلك الإسراف في أسلوب الإسقاط Projection يؤدي إلى شك مرضي Paranoia، والإسراف في آلية الإبدال Displacement يؤدي إلى خوف مرضي Phobia، وهكذا.
2- وفقًا لنظرية أوتو كيرنبيرج Otto Kernberg (الخاصة بتنظيم الشخصية الحدية) [3]، فإن اضطراب الشخصية الحدية يمكن أن ينشأ نتيجة استخدام دفاعات نفسية معينة، وهي: الإسقاط Projection، الإنكار Denial، الإنفصال Dissociation، الإنشطار Splitting، وآلية التقمص الإسقاطي Projective Identification. وهذه الدفاعات تُسمى بالآليات الحدية للدفاع النفسي Borderline Defence Mechanisms.
3- الفرد في مواجهة أحد الدوافع أو المواقف قد يستخدم أكثر من حيلة نفسية، وقد يلجأ إلى حيلة واحدة لإشباع أكثر من دافع أو مواجهة أكثر من موقف في نفس الوقت.
4- آليات الدفاع النفسي Defence Mechanisms تعمل على المستوى اللاواعي، أما عندما نستخدمها بشكل واعي ومقصود فتسمى بآليات التكيّف Coping Mechanisms.
5- أحد أهم المصادر المستخدمة لتقييم الدفاعات النفسية مقياس يسمى [4] باستطلاع أسلوب الدفاع النفسي DSQ-40.
أيضًا، الدليل التشخيصي والإحصائي الرابع للاضطرابات النفسية DSM-IV يتضمن عددًا من المحاور التشخيصية التجريبية لهذه الدفاعات النفسية [المصدر]، وقد اعتمد بشكل أساسي على تصنيف جورج إيمان فايلانت George Eman Vaillant مع بعض التعديلات.
6- بعض علماء النفس (وفقًا لنظرية روبرت بلاتشك Robert Plutchik) يرون أن الدفاعات النفسية ما هي إلا مشتقات من الانفعالات الأساسية، فمثلًا رد الفعل المعاكس Reaction Formation يتعلق بالمتعة والهوس، الإنكار Denial يتعلق بتقبل الواقع والهستيريا، الكبت Repression يتعلق بالخوف والسلبية، النكوص Regression يتعلق بالاندهاش والحدية، التعويض Compensation يتعلق بالحزن والاكتئاب، الإسقاط يتعلق بالاشمئزاز والشك المرضي، الإبدال Displacement يتعلق بالغضب والعدوان، والاستذهان Intellectualization يتعلق بالتوقع والوساوس، وهكذا [المصدر: كتاب Emotions in personality and psychopathology: Chapter 8; A Structural Theory of Ego Defences and Emotions].
هامش:
(*) يُتَرْجم مصطلح “ID” أيضًا إلى “الذات”، ولم نستخدم هذه الترجمة لأن نظرية فرويد ترى أن الذات تشمل العناصر الثلاثة معًا. كما يُترجم إلى الـ”هو”، ولم نستخدم هذه الترجمة لأنها توحي بأننا نتحدث عن شخص آخر!
(**) وجّهت لنظرية فرويد الكثير من الانتفادات والمآخذ العلمية؛ من ضمنها: أنها لا تفسر الكثير من النشاطات العقلية كحرية الإرادة، كما أنها تختزل كل دوافع الإنسان في الدوافع الغريزية (الجنسية والعدوانية).
ولذلك فإن عددًا من تلامذة فرويد خالفوه في تفسيره للعقل البشري وطريقة عمل وعي الإنسان، وعلى رأسهم: ألفريد أدلر Alfred Adler (مؤسس مدرسة علم النفس الفردي Individual Psychology)، وكارل يونج Carl Jung؛ حيث لم يقتنع باختزال أفعال الإنسان في الجوانب الغريزية وحدها، ورأي أن هناك عوامل كثيرة تؤثر على دوافع الإنسان في حياته، فأدخل مفهوم الانطواء والانبساط، وأسس مدرسة علم النفس التحليلي Analytical Psychology.
ويرى بعض الباحثين أن السبب في قصور نظرية فرويد هو انطلاقه من حالات مرضية قليلة لا تستوعب استنتاجاته الواسعة في توصيف سلوك الإنسان.
وكمحاولة لتصحيح هذه النظرة القاصرة، ظهرت نظريات فرويدية حديثة Neo-Freudianism، تصف للإنسان دوافع أخرى عديدة، وترى أن جزءًا كبيرًا من هذه الدوافع يُكتسب خلال حياة الإنسان المبكرة (الشق المكتسب).
كذلك ظهرت المدرسة المعروفة بعلم نفس الأنا Ego Psychology التي تنسب الكثير من نشاطاتنا العقلية إلى العقل الواعي، وتجعل للعقل اللاواعي دورًا أقل.
أيضًا، من أهم الانتقادات التي وجّهت لنظرية التحليل النفسي، أنها غير قابلة للفحص والتجربة وفقًا لمعايير المنهج العلمي الحديث، على عكس مدرسة علم النفس المعرفي Cognitive Psychology مثلًا، والتي تنطلق من مراكز المخ ودوائره العصبية، لتفسر مختلف النشاطات العقلية والنفسية.