أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام أحد المتصفحات البديلة.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام أحد المتصفحات البديلة.
مقتطفات
- بادئ الموضوع سليم البصري
- تاريخ البدء
- الردود 31
- المشاهدات 1K
مكاشفة.....
طارق حمد العبد الله... سيرة رجلٍ عبر دهاليز الدولة وحمل صمت العراق على كتفيه
هاتف الثلج
ليست حياة الرجال الكبار سلسلةً من المناصب تُدوَّن في أرشيف الدولة ثم تُطوى صفحاتها مع الزمن، بل هي في حقيقتها رحلة وجودية طويلة يخوضها الإنسان بين ما يريده لنفسه وما يريده له التاريخ، بين قناعاته الخاصة وبين العواصف التي تدفعه إلى مواقع لم يكن يتخيل يوماً أنه سيقف عند أبوابها. وبعض الرجال يولدون في المدن، فيما يولد آخرون في ذاكرة المدن نفسها، فيصبحون جزءً من حكاياتها التي لا تنتهي، ومن بين هؤلاء يبرز اسم طارق حمد العبد الله الجبوري، الرجل الذي خرج من الفلوجة حاملاً إرث قبيلة الجبور وعشيرة البو عميرة من فخذ عمر السيالة، ومضى في طريق طويل جعل اسمه يتردد في أروقة المؤسسة العسكرية والسياسية العراقية لعقود متتابعة.ولد عام 1940 في مدينة الفلوجة، يوم كانت المدن العراقية لا تزال تحتفظ ببراءتها الأولى، وكانت الأزقة تعرف أسماء أهلها فرداً فرداً، وكان المستقبل يبدو واسعاً كسماء العراق المفتوحة على احتمالات لا حصر لها. هناك بدأ الطفل خطواته الأولى بين البيوت الطينية وأصوات المعلمين ودفاتر الدراسة، فدخل المدرسة الابتدائية عام 1947، ثم واصل رحلته في المراحل المتوسطة والثانوية، وكأن الزمن كان يعده بهدوء لمسار مختلف عن أبناء جيله.
في عام 1958، وهو العام الذي شهد تحولات كبرى في تاريخ العراق الحديث، دخل الكلية العسكرية، وكأن قدره قرر أن يربط مصيره بمصير الدولة نفسها. لم يكن مجرد طالب عسكري يبحث عن رتبة أو وظيفة، بل كان شاباً يؤمن بأن الانضباط طريق إلى بناء الذات، وأن المؤسسة العسكرية ليست مجرد سلاح بل مدرسة لصناعة القرار وتحمل المسؤولية. تخرج ملازماً عام 1961، ثم مضى في تطوير أدواته الفكرية والعسكرية حتى تخرج في كلية الأركان عام 1970، وهو إنجاز لا يصل إليه إلا من يمتلك عزيمة الاستمرار وقدرة التحمل.لكن طارق حمد العبد الله لم يكتفِ بلغة السلاح وحدها، فقد أدرك مبكراً أن الدولة لا تُدار بالبندقية فقط، وإنما بالفكر أيضاً، ولذلك اتجه إلى الدراسة الأكاديمية فكان خريج كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد، ثم حصل على الماجستير في العلوم العسكرية من جامعة البكر، جامعاً بين العقل السياسي والعقل العسكري في شخصية واحدة، وهي معادلة نادرة في تاريخ النخب العراقية.كانت مسيرته المهنية تتصاعد بهدوء يشبه شخصيته التي عرفها المقربون منه؛ شخصية هادئة، مرحة، بعيدة عن الضجيج، مواظبة في العمل، لا تبحث عن الأضواء بقدر ما تبحث عن أداء الواجب. وصل في المؤسسة العسكرية إلى رتبة عميد ركن، وهي آخر رتبة عسكرية شغلها، قبل أن تنتقل رحلته إلى فضاءات أكثر قرباً من مركز القرار.
وفي خضم التحولات السياسية التي شهدها العراق في ستينيات القرن الماضي، تعرف عام 1965 على صدام حسين أثناء وجود الأخير في سجن رقم واحد بمعسكر الرشيد، حيث كان طارق ضابطاً مسؤولاً عن السجن. ثم انتقل إلى الحرس الجمهوري عام 1967، لتبدأ مرحلة جديدة من اقترابه من دوائر السلطة التي كانت تعيد رسم المشهد العراقي آنذاك.ومع تغير الموازين السياسية، وجد نفسه قريباً من الرئيس أحمد حسن البكر، بعدما رشحه حماد شهاب ضمن ثلاثة مرشحين ليكون مرافقاً لرئيس الجمهورية. اختاره البكر لهذا الموقع، ثم تطورت المسؤوليات حتى أصبح مديراً لمكتب الرئيس، وهو موقع لا يقترب منه إلا من يحظى بثقة كبيرة وقدرة عالية على إدارة التفاصيل الدقيقة في عالم السياسة المعقد.
ومن هناك بدأت رحلته في أعلى هياكل الدولة العراقية، فشغل منصب أمين السر العام لمجلس قيادة الثورة، ثم رئيس ديوان رئاسة الجمهورية وكالةً بقرار صدر في السادس والعشرين من آذار عام 1978. كانت تلك المناصب أشبه بمفاتيح لأبواب مغلقة لا يراها عامة الناس، حيث تتداخل المصالح والقرارات والملفات السرية، ويصبح الصمت أحياناً أثقل من الكلام.
وعندما استُحدثت وزارة الصناعات الخفيفة عام 1982، عُيّن وزيراً لها، وبقي في هذا الموقع حتى وفاته عام 1986. وبين تلك السنوات الأربع، ظل الرجل يمارس عمله بانتظام، ويواصل حضوره الإداري والسياسي، فيما كانت البلاد تخوض واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً في التاريخ الحديث.وكان إلى جانب مسؤولياته الرسمية يحمل اهتماماً فكرياً واضحاً، فترك عدداً من المؤلفات السياسية والفكرية، منها: «ثورتنا في مواجهة المؤامرات»، و«موضوعات في السياسة العربية الدولية»، و«ثورتنا وبعض المشكلات الدولية». وهي كتب تكشف جانباً آخر من شخصيته؛ جانب الرجل الذي حاول أن يحاور السياسة بالقلم كما حاورها بالموقع والمسؤولية.أما في حياته الخاصة، فقد كان زوجاً وأباً لخمسة أبناء هم محمد ومنى ومازن ومي وميادة. وكان الذين عرفوه يصفونه بالنزاهة والانضباط والهدوء، وهي صفات نادراً ما تجتمع في رجل أمضى سنوات طويلة داخل مؤسسات الحكم.غير أن الإنسان مهما ارتفع في مواقع الدولة يبقى أسير منظومته الأخلاقية الخاصة. وكان طارق حمد العبد الله يحمل داخله شيئاً من أخلاق العراقيين القدامى الذين يرون أن شرف العائلة امتداد لشرف الفرد، وأن الإساءة إلى أحد أفرادها تصيب الجميع.وخلال سنوات الحرب العراقية - الإيرانية، تعرض لواحدة من أكثر المحطات تأثيراً في حياته. فقد كانت ابنتا خاله تعملان في تجارة الملابس، وفي زمن كانت فيه القيود المالية تطوق حركة الناس والأموال، استعانتا بسائقهما لنقل بعض المبالغ. وعند منفذ ربيعة الحدودي أُلقي القبض على السائق، واعترف أثناء التحقيق عليهما. وحين بلغ الخبر الوزير، لم يتعامل معه باعتباره حادثة قانونية تخص شخصين، بل اعتبره أمراً يمس سمعة العائلة بأسرها.ويُروى أن الصدمة كانت شديدة عليه إلى درجة إصابته بجلطة نقل على أثرها إلى المستشفى، حيث أمضى ما يقارب شهراً كاملاً في العلاج. وبعد تماثله للشفاء، التقى صدام حسين الذي استغرب تأثره العميق بالحادثة قائلاً له: «أنت بعدك شباب». فأجابه طارق بأن ما حدث من ابنتي خاله آلمه كثيراً. ويقال إن صدام رد عليه قائلاً: «كل شاة تتعلق من كراعها»، غير أن طارق أجابه بأن الأمر لا يتعلق بشخصين فقط، بل بسمعة العائلة كلها. وانتهى الأمر بإطلاق سراحهما مع اشتراط عدم عودتهما إلى ممارسة التجارة.كانت تلك الواقعة تكشف جانباً خفياً من شخصيته؛ فهو رجل الدولة الذي ظل يحمل في داخله حساسية ابن العشيرة، ويرى في السمعة والوفاء والالتزام الأخلاقي قيماً لا تقل أهمية عن المناصب والرتب.لكن السنوات الأخيرة من حياته حملت اختباراً آخر أكثر تعقيداً وأشد غموضاً.ففي إحدى زياراته الرسمية خارج العراق، قرر في طريق عودته أن يتوجه إلى المملكة العربية السعودية لأداء العمرة. وربما كانت تلك الرحلة الروحية محاولة لاستعادة شيء من الطمأنينة وسط عالم مزدحم بالأسرار والضغوط. وعندما عاد إلى بغداد كان متعباً، فترك حقائبه في المطار على أن يجلبها السائق لاحقاً.غير أن السائق تأخر ساعات طويلة، وحين عاد أخبره أن سلطات المطار أصرت على تفتيش الحقائب. لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد إجراء روتيني، بل رآه خروجاً على الأعراف المتبعة مع الوزراء وكبار المسؤولين آنذاك. حاول الاتصال بمدير الأمن العام علي حسن المجيد، فلم يتلق جواباً. ترك رسالة فلم يُجب عليها. وفي اليوم التالي كرر المحاولة عبر مدير مكتبه، ثم عبر صديقه السفير منذر المطلك، لكن الأبواب بقيت مغلقة.هناك بدأ يشعر أن شيئاً ما قد تغير. لم يكن مستاءً من تفتيش الحقائب بحد ذاته، بل من الصمت الذي أحاط بالقضية. كان رجلاً قضى عمره في خدمة الدولة، ولم يعتد أن تواجه استفساراته بهذا القدر من التجاهل.عاد إلى منزله مثقلاً بالهواجس. وفي تلك الأيام لاحظت ابنته منى أنه كان يخرج من المنزل كل عشر دقائق تقريباً ثم يعود، مردداً أن سيارة تراقبه. وفي الليلة الأخيرة بقي ساهراً حتى الفجر داخل مكتبه.كتب رسائل عديدة، بينها رسالة مطولة إلى صدام حسين، ذكّره فيها بسنوات خدمته الطويلة للدولة، وبالمهام التي أداها في مختلف المواقع التي شغلها، وبما قدمه للنظام في أكثر مراحله حساسية.كان يرتدي عباءته العربية وعقاله الأسود. وكانت عيناه حمراوين من السهر الطويل. أنهى صلاة الفجر، وترك المصحف مفتوحاً أمامه، فيما كانت الأوراق لا تزال مبعثرة على مكتبه كشاهد أخير على ليلة ثقيلة من التأمل والكتابة.
وفي صباح الثامن عشر من كانون الأول عام 1986، دوى صوت الرصاصة التي أنهت حياة أحد أبرز رجال الدولة العراقية في تلك المرحلة.أعلنت السلطات لاحقاً أنه انتحر بسبب إصابته بالكآبة. لكن كثيرين ممن عرفوه لم يقتنعوا بسهولة بذلك التفسير. فالرجل الذي عرفوه مواظباً في عمله، نشيطاً في أداء واجباته، سليماً في صحته، لم يكن يبدو في نظرهم مريضاً أو منهاراً بالمعنى الذي قيل عنه. ولهذا بقيت نهايته محاطة بالأسئلة والروايات المتضاربة، وبقيت الحقيقة الكاملة غائبة خلف جدران السياسة المغلقة.
وعندما نُقل جثمانه إلى الفلوجة، لم يكن المشهد مجرد تشييع لمسؤول حكومي، بل كان وداعاً لابن مدينة ظل أبناؤها يرون فيه واحداً منهم مهما علت مناصبه. خرجت الفلوجة يومها في حزن واسع، وشيعت ابنها إلى مثواه الأخير في مقبرة العائلة، فيما خيم الصمت على المدينة كأنها تودع جزءاً من ذاكرتها.وبعد رحيله بفترة، طلب صدام حسين لقاء عائلته. غير أن زوجته رفضت الحضور، وبقيت متمسكة بصمتها وحزنها. أما ابنه الأصغر مازن فلبّى الدعوة منفرداً، وخلال اللقاء قُدمت للعائلة سيارة مرسيدس هدية من الرئاسة. غير أن الهدايا لا تستطيع أن تعيد الغائبين، ولا أن تجيب عن الأسئلة التي تتركها النهايات الغامضة.وهكذا انتهت رحلة طارق حمد العبد الله، لا كرجل شغل مناصب رفيعة فحسب، بل كإنسان عبر دهاليز الدولة كلها تقريباً، وظل يحمل في قلبه قيماً قديمة عن الشرف والوفاء والسمعة والمسؤولية. ولذلك بقي اسمه حاضراً في الذاكرة العراقية بوصفه واحداً من أولئك الرجال الذين اقتربوا كثيراً من مركز السلطة، لكنهم ظلوا حتى اللحظة الأخيرة أسرى ضمائرهم وأسئلتهم الخاصة، تاركين خلفهم سيرة لا تزال تبحث عن معناها الكامل في ذاكرة العراق.
#غضيب92طارق حمد العبد الله... سيرة رجلٍ عبر دهاليز الدولة وحمل صمت العراق على كتفيه
هاتف الثلج
ليست حياة الرجال الكبار سلسلةً من المناصب تُدوَّن في أرشيف الدولة ثم تُطوى صفحاتها مع الزمن، بل هي في حقيقتها رحلة وجودية طويلة يخوضها الإنسان بين ما يريده لنفسه وما يريده له التاريخ، بين قناعاته الخاصة وبين العواصف التي تدفعه إلى مواقع لم يكن يتخيل يوماً أنه سيقف عند أبوابها. وبعض الرجال يولدون في المدن، فيما يولد آخرون في ذاكرة المدن نفسها، فيصبحون جزءً من حكاياتها التي لا تنتهي، ومن بين هؤلاء يبرز اسم طارق حمد العبد الله الجبوري، الرجل الذي خرج من الفلوجة حاملاً إرث قبيلة الجبور وعشيرة البو عميرة من فخذ عمر السيالة، ومضى في طريق طويل جعل اسمه يتردد في أروقة المؤسسة العسكرية والسياسية العراقية لعقود متتابعة.ولد عام 1940 في مدينة الفلوجة، يوم كانت المدن العراقية لا تزال تحتفظ ببراءتها الأولى، وكانت الأزقة تعرف أسماء أهلها فرداً فرداً، وكان المستقبل يبدو واسعاً كسماء العراق المفتوحة على احتمالات لا حصر لها. هناك بدأ الطفل خطواته الأولى بين البيوت الطينية وأصوات المعلمين ودفاتر الدراسة، فدخل المدرسة الابتدائية عام 1947، ثم واصل رحلته في المراحل المتوسطة والثانوية، وكأن الزمن كان يعده بهدوء لمسار مختلف عن أبناء جيله.
في عام 1958، وهو العام الذي شهد تحولات كبرى في تاريخ العراق الحديث، دخل الكلية العسكرية، وكأن قدره قرر أن يربط مصيره بمصير الدولة نفسها. لم يكن مجرد طالب عسكري يبحث عن رتبة أو وظيفة، بل كان شاباً يؤمن بأن الانضباط طريق إلى بناء الذات، وأن المؤسسة العسكرية ليست مجرد سلاح بل مدرسة لصناعة القرار وتحمل المسؤولية. تخرج ملازماً عام 1961، ثم مضى في تطوير أدواته الفكرية والعسكرية حتى تخرج في كلية الأركان عام 1970، وهو إنجاز لا يصل إليه إلا من يمتلك عزيمة الاستمرار وقدرة التحمل.لكن طارق حمد العبد الله لم يكتفِ بلغة السلاح وحدها، فقد أدرك مبكراً أن الدولة لا تُدار بالبندقية فقط، وإنما بالفكر أيضاً، ولذلك اتجه إلى الدراسة الأكاديمية فكان خريج كلية العلوم السياسية في جامعة بغداد، ثم حصل على الماجستير في العلوم العسكرية من جامعة البكر، جامعاً بين العقل السياسي والعقل العسكري في شخصية واحدة، وهي معادلة نادرة في تاريخ النخب العراقية.كانت مسيرته المهنية تتصاعد بهدوء يشبه شخصيته التي عرفها المقربون منه؛ شخصية هادئة، مرحة، بعيدة عن الضجيج، مواظبة في العمل، لا تبحث عن الأضواء بقدر ما تبحث عن أداء الواجب. وصل في المؤسسة العسكرية إلى رتبة عميد ركن، وهي آخر رتبة عسكرية شغلها، قبل أن تنتقل رحلته إلى فضاءات أكثر قرباً من مركز القرار.
وفي خضم التحولات السياسية التي شهدها العراق في ستينيات القرن الماضي، تعرف عام 1965 على صدام حسين أثناء وجود الأخير في سجن رقم واحد بمعسكر الرشيد، حيث كان طارق ضابطاً مسؤولاً عن السجن. ثم انتقل إلى الحرس الجمهوري عام 1967، لتبدأ مرحلة جديدة من اقترابه من دوائر السلطة التي كانت تعيد رسم المشهد العراقي آنذاك.ومع تغير الموازين السياسية، وجد نفسه قريباً من الرئيس أحمد حسن البكر، بعدما رشحه حماد شهاب ضمن ثلاثة مرشحين ليكون مرافقاً لرئيس الجمهورية. اختاره البكر لهذا الموقع، ثم تطورت المسؤوليات حتى أصبح مديراً لمكتب الرئيس، وهو موقع لا يقترب منه إلا من يحظى بثقة كبيرة وقدرة عالية على إدارة التفاصيل الدقيقة في عالم السياسة المعقد.
ومن هناك بدأت رحلته في أعلى هياكل الدولة العراقية، فشغل منصب أمين السر العام لمجلس قيادة الثورة، ثم رئيس ديوان رئاسة الجمهورية وكالةً بقرار صدر في السادس والعشرين من آذار عام 1978. كانت تلك المناصب أشبه بمفاتيح لأبواب مغلقة لا يراها عامة الناس، حيث تتداخل المصالح والقرارات والملفات السرية، ويصبح الصمت أحياناً أثقل من الكلام.
وعندما استُحدثت وزارة الصناعات الخفيفة عام 1982، عُيّن وزيراً لها، وبقي في هذا الموقع حتى وفاته عام 1986. وبين تلك السنوات الأربع، ظل الرجل يمارس عمله بانتظام، ويواصل حضوره الإداري والسياسي، فيما كانت البلاد تخوض واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً في التاريخ الحديث.وكان إلى جانب مسؤولياته الرسمية يحمل اهتماماً فكرياً واضحاً، فترك عدداً من المؤلفات السياسية والفكرية، منها: «ثورتنا في مواجهة المؤامرات»، و«موضوعات في السياسة العربية الدولية»، و«ثورتنا وبعض المشكلات الدولية». وهي كتب تكشف جانباً آخر من شخصيته؛ جانب الرجل الذي حاول أن يحاور السياسة بالقلم كما حاورها بالموقع والمسؤولية.أما في حياته الخاصة، فقد كان زوجاً وأباً لخمسة أبناء هم محمد ومنى ومازن ومي وميادة. وكان الذين عرفوه يصفونه بالنزاهة والانضباط والهدوء، وهي صفات نادراً ما تجتمع في رجل أمضى سنوات طويلة داخل مؤسسات الحكم.غير أن الإنسان مهما ارتفع في مواقع الدولة يبقى أسير منظومته الأخلاقية الخاصة. وكان طارق حمد العبد الله يحمل داخله شيئاً من أخلاق العراقيين القدامى الذين يرون أن شرف العائلة امتداد لشرف الفرد، وأن الإساءة إلى أحد أفرادها تصيب الجميع.وخلال سنوات الحرب العراقية - الإيرانية، تعرض لواحدة من أكثر المحطات تأثيراً في حياته. فقد كانت ابنتا خاله تعملان في تجارة الملابس، وفي زمن كانت فيه القيود المالية تطوق حركة الناس والأموال، استعانتا بسائقهما لنقل بعض المبالغ. وعند منفذ ربيعة الحدودي أُلقي القبض على السائق، واعترف أثناء التحقيق عليهما. وحين بلغ الخبر الوزير، لم يتعامل معه باعتباره حادثة قانونية تخص شخصين، بل اعتبره أمراً يمس سمعة العائلة بأسرها.ويُروى أن الصدمة كانت شديدة عليه إلى درجة إصابته بجلطة نقل على أثرها إلى المستشفى، حيث أمضى ما يقارب شهراً كاملاً في العلاج. وبعد تماثله للشفاء، التقى صدام حسين الذي استغرب تأثره العميق بالحادثة قائلاً له: «أنت بعدك شباب». فأجابه طارق بأن ما حدث من ابنتي خاله آلمه كثيراً. ويقال إن صدام رد عليه قائلاً: «كل شاة تتعلق من كراعها»، غير أن طارق أجابه بأن الأمر لا يتعلق بشخصين فقط، بل بسمعة العائلة كلها. وانتهى الأمر بإطلاق سراحهما مع اشتراط عدم عودتهما إلى ممارسة التجارة.كانت تلك الواقعة تكشف جانباً خفياً من شخصيته؛ فهو رجل الدولة الذي ظل يحمل في داخله حساسية ابن العشيرة، ويرى في السمعة والوفاء والالتزام الأخلاقي قيماً لا تقل أهمية عن المناصب والرتب.لكن السنوات الأخيرة من حياته حملت اختباراً آخر أكثر تعقيداً وأشد غموضاً.ففي إحدى زياراته الرسمية خارج العراق، قرر في طريق عودته أن يتوجه إلى المملكة العربية السعودية لأداء العمرة. وربما كانت تلك الرحلة الروحية محاولة لاستعادة شيء من الطمأنينة وسط عالم مزدحم بالأسرار والضغوط. وعندما عاد إلى بغداد كان متعباً، فترك حقائبه في المطار على أن يجلبها السائق لاحقاً.غير أن السائق تأخر ساعات طويلة، وحين عاد أخبره أن سلطات المطار أصرت على تفتيش الحقائب. لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد إجراء روتيني، بل رآه خروجاً على الأعراف المتبعة مع الوزراء وكبار المسؤولين آنذاك. حاول الاتصال بمدير الأمن العام علي حسن المجيد، فلم يتلق جواباً. ترك رسالة فلم يُجب عليها. وفي اليوم التالي كرر المحاولة عبر مدير مكتبه، ثم عبر صديقه السفير منذر المطلك، لكن الأبواب بقيت مغلقة.هناك بدأ يشعر أن شيئاً ما قد تغير. لم يكن مستاءً من تفتيش الحقائب بحد ذاته، بل من الصمت الذي أحاط بالقضية. كان رجلاً قضى عمره في خدمة الدولة، ولم يعتد أن تواجه استفساراته بهذا القدر من التجاهل.عاد إلى منزله مثقلاً بالهواجس. وفي تلك الأيام لاحظت ابنته منى أنه كان يخرج من المنزل كل عشر دقائق تقريباً ثم يعود، مردداً أن سيارة تراقبه. وفي الليلة الأخيرة بقي ساهراً حتى الفجر داخل مكتبه.كتب رسائل عديدة، بينها رسالة مطولة إلى صدام حسين، ذكّره فيها بسنوات خدمته الطويلة للدولة، وبالمهام التي أداها في مختلف المواقع التي شغلها، وبما قدمه للنظام في أكثر مراحله حساسية.كان يرتدي عباءته العربية وعقاله الأسود. وكانت عيناه حمراوين من السهر الطويل. أنهى صلاة الفجر، وترك المصحف مفتوحاً أمامه، فيما كانت الأوراق لا تزال مبعثرة على مكتبه كشاهد أخير على ليلة ثقيلة من التأمل والكتابة.
وفي صباح الثامن عشر من كانون الأول عام 1986، دوى صوت الرصاصة التي أنهت حياة أحد أبرز رجال الدولة العراقية في تلك المرحلة.أعلنت السلطات لاحقاً أنه انتحر بسبب إصابته بالكآبة. لكن كثيرين ممن عرفوه لم يقتنعوا بسهولة بذلك التفسير. فالرجل الذي عرفوه مواظباً في عمله، نشيطاً في أداء واجباته، سليماً في صحته، لم يكن يبدو في نظرهم مريضاً أو منهاراً بالمعنى الذي قيل عنه. ولهذا بقيت نهايته محاطة بالأسئلة والروايات المتضاربة، وبقيت الحقيقة الكاملة غائبة خلف جدران السياسة المغلقة.
وعندما نُقل جثمانه إلى الفلوجة، لم يكن المشهد مجرد تشييع لمسؤول حكومي، بل كان وداعاً لابن مدينة ظل أبناؤها يرون فيه واحداً منهم مهما علت مناصبه. خرجت الفلوجة يومها في حزن واسع، وشيعت ابنها إلى مثواه الأخير في مقبرة العائلة، فيما خيم الصمت على المدينة كأنها تودع جزءاً من ذاكرتها.وبعد رحيله بفترة، طلب صدام حسين لقاء عائلته. غير أن زوجته رفضت الحضور، وبقيت متمسكة بصمتها وحزنها. أما ابنه الأصغر مازن فلبّى الدعوة منفرداً، وخلال اللقاء قُدمت للعائلة سيارة مرسيدس هدية من الرئاسة. غير أن الهدايا لا تستطيع أن تعيد الغائبين، ولا أن تجيب عن الأسئلة التي تتركها النهايات الغامضة.وهكذا انتهت رحلة طارق حمد العبد الله، لا كرجل شغل مناصب رفيعة فحسب، بل كإنسان عبر دهاليز الدولة كلها تقريباً، وظل يحمل في قلبه قيماً قديمة عن الشرف والوفاء والسمعة والمسؤولية. ولذلك بقي اسمه حاضراً في الذاكرة العراقية بوصفه واحداً من أولئك الرجال الذين اقتربوا كثيراً من مركز السلطة، لكنهم ظلوا حتى اللحظة الأخيرة أسرى ضمائرهم وأسئلتهم الخاصة، تاركين خلفهم سيرة لا تزال تبحث عن معناها الكامل في ذاكرة العراق.
Similar content
الاكثر مشاهدة
عرض المزيد
|
|
مقتطفات علي الوردي
|
|
|
مقتطفات جميله اتموها للنهايه
|
|
|
مقتطفات من حكايا الزمن الجميل
اصل كلمات ( راشدي) و ( الناصرية )
|
|
|
مقتطفات اعجبتني .."
|

