• منتديات شباب الرافدين .. تجمع عراقي يقدم محتوى مميز لجميع طلبة وشباب العراق .. لذا ندعوكم للانضمام الى اسرتنا والمشاركة والدعم وتبادل الافكار والرؤى والمعلومات. فأهلاَ وسهلاَ بكم.
الأسرة المحمدية العلوية (من سنة ١٨٠٥ )

الأسرة المحمدية العلوية (من سنة ١٨٠٥ )

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع ابن الحته
  • تاريخ البدء تاريخ البدء
  • الردود الردود 11
  • المشاهدات المشاهدات 878
شكل ٣-٨: نقود السلطان محمود الثاني.
ثم توالت الحوادث إلى ١٥ يوليو (تموز) سنة ١٨٤٠م، فانعقدت معاهدة لندرا تقضي باعتبار محمد علي باشا من تابعي الدولة العثمانية. إلا أن ذلك لم يكن ليُوقِفَه عن مقاصده ولديه إذ ذاك نحو ١٤٦ ألفًا من الجنود النظامية و٢٢ ألفًا من الباشبوزق منها ١٣٠ تحت قيادة ابنه إبراهيم في سوريا، والباقون متفرقون في الحجاز وسنار وكريد ومصر. ولكنه علم بعد ذلك أن هذه القوات قليلة في جانب ما يلزمه لإتمام مشروعه، فجعل يضم إليها تلامذة المدارس حتى استخدم المرضى والجرحى. ثم عمد إلى إنشاء خفر وطني احتياطًا، ولكنه لم ينجح به كل النجاح، على أنه مع ذلك لما عُرِضَتْ عليه معاهدة لندرا لم يُصادِق عليها، فعرض عليه أن يأخذ ولاية عكا ترضيةً له ويضمها إلى مصر وينسحب من سوريا فرفض أيضًا.

(ﻫ) خروج إبراهيم باشا من سوريا​

وبعد ذلك بيسير جاءت الجيوش الإنكليزية إلى صيدا وفر إبراهيم إلى الجبل. وكان الكومودور نابيه قد سار في عمارة بحرية إنكليزية لمحاصرة بيروت، وكانت تحت قيادة سليمان باشا الفرنساوي وقد حصَّنها تحصينًا منيعًا ومعه فرقتان من الجند. ولكن لسوء الحظ جاءته الأنباء أن إبراهيم قُتِلَ وتشتت رجاله، فخاف سليمان ورأى أن لا بد له من تأكيد حقيقة ذلك الخبر، حتى إذا تحقق موت إبراهيم يضم إليه ما بقي من الجيوش للمدافعة، فبرح بيروت بعد أن جعل عليها صادق بك أحد أميرالايات الفرقتين. أما هذا فلما رأى نفسه منفردًا في بيروت خاف وترك المدينة وفر، فاستولى عليها الإنكليز، ثم اتصل به من سليمان أن إبراهيم باشا لا يزال حيًّا، ويأمره بالثبات أمام العدو ريثما يحضر. فخاف صادق بك الوقوع في شر أعماله فانضم إلى الإنكليز هو ورجاله. ثم سار نابيه من بيروت إلى عكا وحاصرها، ففر إسماعيل بك ومن فيها من الرجال وسلمت المدينة.
ثم سار نابيه إلى الإسكندرية بست سفن وعرض على محمد علي باشا الصلح فقبل، وعقدوا معاهدة وقَّع عليها الطرفان، ولما أرادوا تثبيتها مانعت الدول في ذلك وبقيت الأمور على حالها حتى دارت المخابرات بين الباب العالي ومحمد علي باشا، فأراد السلطان إرضاء محمد علي فأعطاه أن تكون ولاية مصر وراثية لنسله بشرط أن يكون لجلالة السلطان الحق المطلق أن يختار من عائلة محمد علي من يريد لتوليتها. فتردَّد محمد علي في بادئ الرأي. ثم أمر جيوشه أن تنسحب من سوريا وكان عددها عند ذهابها إليها مائة وثلاثين ألفًا، فلم يرجع منها إلا خمسون ألفًا وقد أخذ التعب منهم مأخذًا عظيمًا، فلم ير بُدًّا من قبول أنعام السلطان. فبعث إلى الباب العالي بذلك فأرسل إليه خطًّا شريفًا بتاريخ ١٣ فبراير سنة ١٨٤١م بتثبيته على مصر مع حقوق الوراثة لأعقابه، وأن يكون لجلالة السلطان أن يختار منهم من يريد لهذا المنصب هذا نصه:

فرمان ولاية محمد علي على مصر

رأينا بسرور ما عرضتموه من البراهين على خضوعكم، وتأكيد أمانتكم وصدق عبوديتكم لذاتنا الشاهانية ولمصلحة بابنا العالي. فطول اختباركم وما لكم من الدراية بأحوال البلاد المسلمة إدارتها لكم من مدة مديدة لا يتركان لنا ريبًا بأنكم قادرون بما تُبدُونه من الغيرة والحكمة في إدارة شئون ولايتكم على الحصول من لَدُنَّا الشاهاني على حقوق جديدة من تعطُّفاتنا الملوكية وثقتنا بكم. فتقدرون في الوقت نفسه إحساناتنا إليكم قدرها، وتجتهدون ببث هذه المزايا التي امتزتم بها في أولادكم. وبمناسبة ذلك صممنا على تثبيتكم في الحكومة المصرية المبينة حدودُها في الخريطة المرسومة لكم من لَدُنْ صدرنا الأعظم، ومنحناكم فضلًا عن ذلك ولاية مصر بطريق التوارث بالشروط الآتي بيانها: متى خلا منصب الولاية المصرية تعهد الولاية إلى من تنتخبه سُدَّتُنَا الملوكية من أولادكم الذكور، وتجري هذه الطريقة نفسها بحق أولاده وهلم جرًّا. وإذا انقرضت ذريتكم الذكور لا يكون لأولاد نساء عائلتكم الذكور حق أيًّا كان في الولاية وإرثها. ومن وقع عليه من أولادكم الانتخاب لولاية مصر بالإرث بعدكم يجب عليه الحضور إلى الأستانة لتقليده الولاية المذكورة. على أن حق التوارث الممنوح لوالي مصر لا يمنحه رتبةً ولا لقبًا أعلى من رتبة سائر الوزراء ولقبهم، ولا حقًّا في التقدُّم عليهم، بل يعامل بذات معاملة زملائه. وجميع أحكام خطنا الشريف الهمايوني الصادر عن كلخانة وكافة القوانين الإدارية الجاري العمل بها أو تلك التي سيجرى العمل بموجبها في ممالكنا العثمانية، وجميع العهود المعقودة أو التي ستُعقد في مستقبل الأيام بين الباب العالي والدول المتحابَّة يتبع الإجراء على مقتضاها جميعها في ولاية مصر أيضًا. وكل ما هو مفروض على المصريين من الأموال والضرائب يجري تحصيله باسمنا الملوكي. ولكيلا يكون أهالي مصر وهم من بعض رعايا بابنا العالي مُعَرَّضِين للمَضَارِّ والأموال والضرائب غير القانونية، يجب أن تنظم تلك الأموال والضرائب المذكورة بما يوافق حالة ترتيبها في سائر المماليك العثمانية وربع الإيرادات الناتجة من الرسوم الجمركية، ومن باقي الضرائب التي تتحصل في الديار المصرية يتحصل بتمامه ولا يخصم منه شيء، ويؤدَّى إلى خزينة بابنا العالي العامرة والثلاث الأرباع الباقية تبقى لولايتكم لتقوم بنفقات التحصيل والإدارة المدنية والجهادية، وبنفقات الوالي وبأثمان الغلال الملزَمة مصر بتقديمها سنويًّا إلى البلاد المقدسة مكة والمدينة. ويبقى هذا الخراج مستمرًّا دفعه من الحكومة المصرية بطريقة تأديته المشروحة مدة خمس سنوات، تبتدي من عام ١٢٥٧ﻫ — أي من يوم ١٢ فبراير سنة ١٨٤١ — ومن الممكن ترتيب حالة أخرى بشأنهم في مستقبل الأيام تكون أكثر موافقة لحالة مصر المستقبلة ونوع الظروف التي ربما تَجِدُّ عليها. ولما كان من واجبات بابنا العالي الوقوف على مقدار الإيرادات السنوية، والطرق المستعملة في تحصيل العشور وباقي الضرائب، وكان الوقوف على هذه الأحوال يستلزم تعيين لجنة مراقبة وملاحظة في تلك الولاية، فينظر في ذلك فيما بعدُ ويجري ما يوافق إرادتنا السلطانية. ولما كان من اللزوم أن يعين بابنا العالي ترتيبًا لسك النقود لما في ذلك من الأهمية، بحيث لا يعود يحدث فيها خلاف لا من جهة العيار ولا من جهة القيمة، اقتضت إرادتي السَّنِيَّة أن تكون النقود الذهبية والفِضِّيَّة الجائز لحكومة مصر، ضربها باسمنا الشاهاني معادلة للنقود المضروبة في ضربخاناتنا العامرة بالأستانة، سواء كان من قبيل عيارها أو من قبيل هيئتها وطرزها.
ويكفي أن يكون لمصر في أوقات السلم ثمانية عشر ألف نفر من الجند للمحافظة في داخلية مصر، ولا يجوز أن تتعدى ولايتكم هذا العدد. ولكن حيث إن قوات مصر العسكرية مُعَدَّةً لخدمة الباب العالي كسائر قوات المملكة العثمانية، فيسوغ أن يزاد هذا العدد في زمن الحرب بما يرى موافقًا في ذلك الحين. على أنه بحسب القاعدة الجديدة المُتَّبَعة في كافة ممالكنا بشأن الخدمة العسكرية، بعد أن تخدم الجند مدة خمس سنوات يُستَبدلون بسواهم من العساكر الجديدة. فهذه القاعدة يجب اتِّباعها أيضًا في مصر بحيث ينتخب من العساكر الجديدة الموجودة في الخدمة حالًا عشرون ألف رجل ليبتدئوا الخدمة، فيحفظ منها ثمانية عشر ألفًا في مصر، وترسل الألفان لها لأداء مدة خدمتهم. وحيث إن خُمس العشرين ألف رجل واجبٌ استبدالهم سنويًّا، فيؤخذ سنويًّا من مصر أربعة آلاف رجل حسب القاعدة المقررة من نظام العسكرية، حيث سحب القرعة بشرط أن تُستعمل في ذلك مواجب الإنسانية والنزاهة والسرعة اللازمة، فيبقى في مصر ثلاثة آلاف وستمائة من الجنود الجديدة والأربعمائة يُرسَلُون إلى هنا، ومن أتم مدة خدمته من الجنود المرسلة إلى هذا الطرف ومن الجنود الباقية في مصر يرجعون إلى مساكنهم، ولا يسوغ طلبهم للخدمة مرة ثانية. ومع كون مناخ مصر ربما يستلزم أقمشة خلاف الأقمشة المستعملة لملبوسات العساكر، فلا بأس من ذلك فقط يجب أن لا تختلف هيئة الملابس والعلامات التمييزية ورايات الجنود المصرية عن مثلها من ملابس ورايات باقي الجنود العثمانية. وكذا ملابس الضابطات وعلامات امتيازهم، وملابس الملاحين وعساكر البحرية المصرية ورايات سفنها، يجب أن تكون مماثلة لملابس ورايات وعلامات رجالنا وسفننا. وللحكومة المصرية أن تعين ضباطًا برية وبحرية حتى رتبة الملازم، أما ما كان أعلى من هذه الرتبة فالتعيين إليها راجع لإرادتنا الشاهانية. ولا يسوغ لوالي مصر أن ينشئ من الآن فصاعدًا سفنًا حربية إلا بإذننا الخصوصي. وحيث إن الامتياز المُعطى بوراثة ولاية مصر خاضع للشروط الموضَّحة أعلاه، ففي عدم تنفيذ أحد هذه الشروط موجِب لإبطال هذا الامتياز وإلغائه للحال. وبناء على ذلك قد أصدرنا خطنا هذا الشريف الملوكي؛ كي تقدروا أنتم وأولادكم قدر إحساننا الشاهاني فتعتنوا كل الاعتناء بإتمام الشروط المقررة فيه، وتحملوا أهالي مصر من كل فعل إكراهي، وتكفلوا أمنيتهم وسعادتهم مع التحذر من مخالفة أوامرنا الملوكية، وإخبار بابنا العالي عن كل المسائل المهمة المتعلقة بالبلاد المعهودة ولايتها لكم. ا.ﻫ.
 
ثم صدر فرمان آخر يُثَبِّتُ ولايته على النوبة ودارفور وكردوفان وسنار هذا نصه:
إن سُدَّتَنَا الملوكية كما توضح في فرماننا السلطاني السابق قد ثبتتكم على ولاية مصر بطريق التوارُث بشروط معلومة وحدود معينة. وقد قلدتكم فضلًا عن ولاية مصر ولاية مقاطعات النوبة والدارفور وكوردوفان وجميع توابعها وملحقاتها الخارجة عن حدود مصر، ولكن بغير حق التوارث. فبقوة الاختبار والحكمة التي امتزتم بهما تقومون بإدارة هاته المقاطعات وترتيب شئونها بما يوافق عدالتنا، وتوفير الأسباب الآيِلَة لسعادة الأهلين وترسلون في كل سنة قائمة إلى بابنا العالي حاوية بيان الإيرادات السنوية جميعها. وحيث إنه يحدث من وقت لآخر أن تهجم الجنود على قرايا المقاطعات المذكورة، فيأسرون الفتيان من ذكور وإناث، ويبقونهم في قبضة يديهم لقاء رواتبهم، وحيث إن هذه الأمور مما تفضي معها الحال ليس فقط لانقراض أهالي تلك البلاد وخرابها، بل إنها أمور مخالفة للشريعة الحقة المقدسة، وكلا هاتين الحالتين ليست أقل فظاعة من أمر آخر كثير الوقوع وهو تشويه الرجال ليقوموا بحراسة الحريم، ذلك ممَّا ليس ينطبق على إرادتنا السنية مع مناقضته كل المناقضة لمبادئ العدل والإنسانية المنتشرة من يوم جلوسنا المأنوس على عرش السلطنة السنية. فعليكم مداركة هذه الأمور بما ينبغي من الاعتناء لمنع حدوثها في المستقبل، ولا يبرح عن بالكم أن فيما عدا بعض أشخاص توجَّهوا إلى مصر على أسطولنا الملوكي قد عفوتُ عن جميع الضابطات والعساكر، وسائر المأمورين الموجودين في مصر. نعم بموجب فرماننا السلطاني السابق أن تسمية الضابطان المصرية لما فوق رتبة المعاون تستلزم العرض عنها لأعتابنا الملوكية إلا أنه لا بأس من إرسال بيان بأسماء من رقَّيتم من ضباط جنودكم إلى بابنا العالي؛ كي ترسل لهم الفرمانات المؤذنة بتثبيتهم في رتبهم، هذا ما نطقت به إرادتنا السامية، فعليكم الإسراع في الإجراء على مقتضاها. ا.ﻫ.
فأصبحت حكومته بعد ذينك الفرمانين محصورة في مصر والسودان. وبمقتضى ذلك تنازل محمد علي باشا عن عشرة آلاف من جنود سوريا، فلم يبقَ عنده إلا ثمانية عشر ألفًا بين مشاة وفرسان وغيرهم. فاضطر إذ ذاك إلى الاقتصاد لإصلاح مالية البلاد، فأوقف كثيرًا من المدارس العمومية التي كان قد خصص مبالغ معلومة للنفقة، ومن ضمنها مدرسة شبرا الزراعية وأبدل الأساتذة الأوروباويين لما بَقِيَ من المدارس بأساتذة أتراك أو وطنيين، وسار من ذلك الحين في خطة الإصلاح قانعًا بما قسم له من البلدان فعمل على إرضاء جلالة السلطان، فأنفذ إلى جلالته ابنه سعيد باشا لتقديم فروض العبودية.

(١-٤) أواخر أيامه​

ثم أُصِيبَ إبراهيم باشا بانحراف في صحته، فسار إلى أوروبا لقضاء فصل الصيف سنة ١٨٤٥ فأصاب ترحابًا عظيمًا في سائر الممالك الأوروبية ولا سيما في فرنسا وإنكلترا، وعاد إلى مصر في أواخر صيف عام ١٨٤٦م وكان والده قد توجه قبل وصوله بيسير إلى الأستانة بدعوة رسمية ليقدم عبوديته لجلالة السلطان فوصلها في ١٩ يوليو (تموز) عام ١٨٤٦م، ونزل في سراي رضا باشا، ثم تَشَرَّفَ بالمثول بين يدي جلالة السلطان فرحب به. ولما أراد تقبيل الأعتاب الشاهانية أمسكه جلالته وأجلسه بجانبه ومكثا ساعة يتحادثان. ثم انصرف شاكرًا وزار عدوَّه القديم خسرو باشا وتصافَيَا. وفي ١٧ أغسطس من تلك السنة برح الأستانة قاصدًا قواله مسقط رأسه فأقام فيها عدة أبنية لتعليم الفقراء وإعانة الضعفاء والمساكين، ثم برحها إلى الإسكندرية فقوبل بالأنوار وسار منها إلى القاهرة، فتقاطر إليه المهنئون من الأصدقاء أفواجًا، فكان يستقبلهم وعلى صدره الطغراء الشاهانية تتلألأ كالشمس.
وفي منتصف عام ١٨٤٨ توعَّك مزاج محمد علي باشا، وازدادت فيه ظواهر الخَرَف فلم يعد ثَمَّ بُدٌّ من تولية إبراهيم باشا، فتوجه هذا إلى إلى الأستانة في أغسطس من تلك السنة؛ لأجل تثبيته على ولاية مصر خلفًا لأبيه، فثبته السلطان بنفسه فعاد لمعاطاة الأحكام. ثم راجعه العياء واشتد عليه بغتة، ففارق هذا العالم في ١٠ نوفمبر عام ١٨٤٨م، وبعد وفاته بإحدى عشرة ساعة دُفِنَ في مدفن العائلة الخديوية بجوار الإمام الشافعي بالقاهرة.
وكان عباس باشا غائبًا في مكة فاستُقدِم حالًا لاستلام زمام الأحكام، فوصل القاهرة في ٢٤ ديسبمر بعد أن قضى فروض الحج، ولم يكن ثَمَّ اعتراض على توليته فجاء الفرمان الشاهاني من الأستانة مؤذِنًا بذلك فتولى الأمور.
كل ذلك ومحمد علي باشا في الإسكندرية، وقد أخذ منه المرض مأخذًا عظيمًا، وما زال يهزل جسدًا وعقلًا إلى ٢ أغسطس عام ١٨٤٩م، فتوفي ولم يستغرب الناس وفاته؛ لأنه مكث في حالة النزاع مدة طويلة. وفي ٣ منه تقاطر الناس من الأعيان والقناصل إلى سراي رأس التين في الإسكندرية لحضور مشهد ذلك الرجل العظيم. فإذا هو في قاعة الاستقبال في تابوت تُغَطِّيهِ شيلان الكشمير، وعلى صدره سيفه والقرآن الكريم، وعلى رأسه طربوشه الجهادي أحمر تونسي، وحوله العلماء في الملابس الرسمية يتلون القرآن بأنغام التجويد. وكان سعيد باشا أكبر من وُجِدَ في الإسكندرية من عائلة الفقيد، فكانت توجه نحوه خطابات التعزية. ونُقِلَتْ جثة الفقيد ودُفِنَتْ في جامعه في القلعة ولا تزال هناك إلى الآن.

(١-٥) إصلاحاته​

استولى محمد علي على مصر وهي في معظم الخراب والفساد سياسيًّا وتجاريًّا وزراعيًّا وأدبيًّا، فأخذ على نفسه إصلاح شئونها وبذل في ذلك من الجهد والعناية ما ليس وراءه غاية، وقد فاز بما أراد فأحيا الديار المصرية وأنعشها وأنماها من سائر الوجوه حتى أصبحت تُجارِي ممالك أوروبا؛ ولذلك لقبه كتاب عصره بموجد الديار المصرية يريدون أنه أوجدها من العدم، وهذه أهم إصلاحاته:

(أ) الإصلاح الإداري​

وأول شيء باشره من الإصلاح مسح الأرضين والانتفاع بزرعها وتوزيعها. وتفصيل ذلك أن الديار المصرية كانت منقسمة من حيث ملكها إلى قسمين؛ أحدهما: الأرضون التي كادَ يكون لواضع اليد عليها الحق في ملكها ملكًا مطلقًا، وكانت معفاة من الضرائب. والقسم الثاني: التي لم يكن لزارعها إلا حق التمتع بريعها، وهي الأرض التي كان عليها الضريبة الخَرَاجية. أما نفس العقار في هذين القسمين فكان ملك بيت المال أو الحكومة أو السلطان.
هذا كان شأن الأرضين المصرية قبل الفتح العثماني وبعده إلى القرن السابع عشر، حينما استأثر الأمراء المماليك بالقوة والسلطة، واختل نظام الأرضين، وصار الناس يُهاجِرون، فأهملت الأشغال العمومية، وقل ريع الأرض فأصبحت الحكومة في عجز كُلِّيٍّ عن استحصال النقود فالتجأت إلى تلزيم الخراج؛ وذلك أن الحكام كانوا يضمنون خراج النواحي والبلاد لأناس، وكان ذلك الضمان أو الالتزام يُقَرَّرُ إما بالمزايدة أو بالاتفاق بين الملتزم من جهة والرزنامة بالنيابة عن الحكومة من جهة أخرى. حتى إذا تم الأمر أعطت الرزنامة للملتزم تقسيطًا؛ أي عقد تلزيم يصدق عليه شيخ البلد وهو كبير أمراء المماليك.
فإذا دفع الملتزم الضريبة يُعطَى له حق التصرف في تحصيل المال الذي عجله، وعلى فوائده التي كان يقرر سعرها هو بنفسه كما يريد. وكانت الحكومة تتعهد بمساعدته في التحصيل، وتجعل له في مقابل ما ينفقه ويكابده في ذلك التحصيل بِقَاعًا غير التي التزمها معفاة من كل ضريبة تعرف بالأواسي. أما الفلاحون فلم يكونوا يملكون أرضًا قط، على أن الملتزمين أنفسهم كانت تُنزع منهم الالتزامات إذا تصدى لهم من كان أكثر صَولَةً منهم وأشد بطشًا. ولا يخفى ما كان ينجم عن هذا التصرُّف من الاختلال وضياع الحقوق والأتعاب.
فلما استقام الأمر لمحمد علي باشا أمر بمسح كل أرض مصر المزروعة، ثم قسمها إلى مديريات والمديريات إلى مراكز أو أقسام، وهذه إلى نواحٍ، وعيَّن فيها من يقوم بإدارة أمورها وآخرين لجباية الضرائب، وأبطل الالتزامات جملة ووزَّع أرض كل ناحية بين أهل تلك الناحية نفسها بحيث يصيب كل فلاح قادر على الشغل جانبًا من الأرض بقدر جانب الآخر، فبلغ نصيب كل فلاح ثلاثة أفدنة وبعضهم أربعة أو خمسة، وجعل لمشايخ البلاد جانبًا من الأرض أعفاه من الضريبة في مقابل نفقات ضيافة جُباة الأموال الأميرية الذين كانوا يمرُّون في بلادهم، وما كانت الحكومة تكلفهم به من المَهام، ودعا تلك العطايا مسموح المشايخ، أو مسموح المبسطة، وهي تقابل الأواسي المتقدم ذكرها.
ثم رأى — رحمه الله — أن الفلاح لا يستطيع من نفسه أمرًا يكفُل إخراجه مما هو فيه من الضيق الذي تراكم عليه بمرور الأجيال، وكان قد انتهى من أعماله الحربية ولم يعُد ثَمَّ حاجة إلى بقاء ضباط الجهادية منقطعين إلى وظائفهم العسكرية مع رواتبهم جارية عليهم في حالة السلم، وأن ليس من التدبير والحكمة أن يتناولوا معيناتهم وهم عطل من الأعمال. ورأى من الجهة الثانية أن الفلاح يحتاج إلى مرشد يهديه إلى الطرق اللازمة لاستقامة أمره، ووازع يدفعه إلى النهوض بواجباته. وعلم أيضًا أن المرء مهما كان صادقًا في خدمة الحكومة يشتغل لنفسه أكثر مما يشتغل لغيره، فارتأى أن يعهد بأمر البلاد من حيث الزراعة إلى أولئك الضباط، ففوَّض إليهم تعميرها وإصلاحها بأنفسهم، ولم يحرم الفلاح مع ذلك من ثمرة أتعابه، بل جعل لهذه الطريقة التي اعتمدها أصولًا وقوانين تقضي بأن لا تُعطَى الأطيان للمتعهد ما دامت رائجة ومقتدرة على أداء ما عليها من الأموال في أوقاتها. أما الأطيان غير الرائجة فتحال إلى عُهدته باختيار أربابها وهو يتعهد بأداء المال المطلوب للحكومة، وبهذه الواسطة نشطت الزراعة وتحسَّنت تحسُّنًا عظيمًا، وما زالت تلك الأرضين في يد المتعهدين إلى أيام المغفور له عباس باشا وهو الذي استردها.

مساحة الأرض الزراعية في أيامه​

كانت الأرض الزراعية في عهد المماليك لا تزيد على مليون فدان وبعض المليون، فلما تولى محمد علي مسحها سنة ١٨١٣ وأعطاها إلى الفلاحين كما تقدَّم، وأخذت مساحة ما يزرع منها يزداد حتى بلغت سنة ١٨٢١ نحو مليوني فدان متفرقة في المديريات على هذه الصورة، نقلًا عن فيلكس منجن في كتابه المنشور سنة ١٨٢٣:
 
عودة
أعلى أسفل