استتبت القوة لمحمد علي باشا، وقد رضي جلالة السلطان عنه ودخلت الإسكندرية في ولايته. ثم سعى بعضهم في المصالحة بينه وبين المماليك فتمَّت بقدوم شاهين بك إلى مصر بالهدايا الثمينة. فأكرمه محمد علي وبنى له قصرًا نفيسًا لسكناه في الجيزة. ثم تبادلوا الزيارات وكل علائق المودة، وهكذا فعل سائر المماليك.
(١-٣) أعماله الحربية
(أ) الحملة على الوهابيين
فلما رسخت قدم محمد علي باشا في مصر أخذ في تسليم مصالح حكومته إلى من يَثِقُ بهم من ذوي قرباه؛ لأنه كان شديد المحبة لعائلته، ولا شك أن أزره اشتد بهم. ثم استفحل أمر الوهابيين في شبه جزيرة العرب، فأرسل السلطان محمود يعهد إلى محمد علي باشا أمر إخضاعهم وتخليص البلاد من أيديهم.
شكل ٣-٤: زعيم الوهابيين.
والوهابيون طائفة من المسلمين تذهب إلى إغفال الكتب الدينية الإسلامية إلا القرآن والحديث. زعيمها الأول محمد بن عبد الوهاب وُلِدَ في العيينة من إقليم العارض من نجد سنة ١١٠٦ﻫ/١٦٩٦، وكان أبوه شيخًا فقيهًا، فرُبِّيَ في حجره على المذهب الحنبلي ثم انتقل لإتمام دروسه في البصرة وهَمَّ بزيارة مكة والمدينة وعاد إلى بلده. ثم تزوج في الحريملة بالعارض، وأقام فيها واشتهر بين قومه بالتقوى وصدق التديُّن. وأنحى عليهم باللائمة لتقاعدهم عن الفروض الدينية، وإهمالهم قواعد الدين الأساسية، وبالغ في تعنيفهم حتى تآمر بعضهم على قتله، وتربصوا له في مكمن، فأدرك غرضهم ففر إلى بلده العيينة، وأخذ يجتذب الأحزاب إليه من أهله وأبناء قبيلته بالوعظ والمراسلة والإقناع، فالتف حوله جماعة من الأنصار في بلدته وما يحيط بها من البلاد.
وجاءته امرأة عاهرة تلتمس التوبة على يده فردَّها أولًا وثانيًا. فجاءته ثالثة فاستغرب أمرها وسأل القوم إذا كانت مجنونة فقالوا: إنها في كمال عقلها لكنها شردت عن طريق التقوى وتريد الرجوع إليها. فحكم عليها بالإعدام لأن ضميرها لم يوبخها يوم ارتكبت تلك الرذائل. وعلم بهذا الحكم الجائر أمير الحسا فبعث إلى شيخ العيينة أن يقتل محمد بن عبد الوهاب أو ينفيه. فأمر بإخراجه من بلده على أن يدس له من يقتله.
وبلغ نفيه مسامع بعض أتباعه في الدرعية من إقليم العارض المذكور، وأميرهم يدعى محمد بن سعود، فتقدموا إليه أن يأذن باستقدامه إليهم، فأذن لهم بذلك، فبعثوا إلى شيخ العيينة أن يوجهه إليهم. فبعثه في خفارة فارس أَسَرَّ إليه أن يقتله غيلة في أثناء الطريق. فهَمَّ الفارس أن ينفذ ذلك الأمر مرارًا وهو يؤجله، واتفق أنه هَمَّ بالعمل أخيرًا وهو على مقربة من الوفد الذي أرسله ابن سعود لاستقبال ذلك المنفي. ولم يكد الفارس يطعنه حتى جاء أولئك للدفاع عنه وقد كاد يُقتَل.
فدخل محمد بن عبد الوهاب الدرعية فأحسن ابن سعود وفادته إكرامًا لأتباعه، ووعد بحمايته ممَّنْ يناوئه، وأذن له في نشر تعاليمه. ففعل ونفوذه يزداد وأنصاره يتكاثرون وشهرته تتسع. فأخذ يكاتب مشايخ القبائل يدعوهم إلى نبذ الرذائل والرجوع إلى الكِتاب والسُّنَّة، وأنهم إذا لم يفعلوا حمل عليهم بأهل درعية جهادًا في سبيل الحق. فأذعن له كثيرون وقاومه آخرون، فمن وافقه انتقل إليه في درعية. فتزايد أنصاره فيها وفي غيرها من إقليم العارض، وأكثرهم في العيينة وحريملة ودرعية والعمارية والمنفوحة.
تعاليم الوهابية
وأساس مذهب ابن عبد الوهاب أنه لا يعرف إلا الله ولا يتوسل إلى سواه، وأهم تعاليمه:
- (١)
الصلاة خمس مرات في اليوم.
- (٢)
الصوم في رمضان.
- (٣)
الامتناع عن المسكرات.
- (٤)
منع البغاء.
- (٥)
منع الميسر والسحر.
- (٦)
تفريق جزء من مائة من الأموال زكاة على الفقراء.
- (٧)
التشديد في عقاب شهادة الزور.
- (٨)
إبطال الربا.
- (٩)
الحج مرة على الأقل.
- (١٠)
منع التدخين.
- (١١)
منع الرجال من لبس الحرير أو التزين لأنه من شأن النساء.
- (١٢)
هدم المزارات وقباب الأولياء لأنها من ظواهر الوثنية وتشغل الناس عن مخاطبة الله رأسًا.
هذه خلاصة تعاليم محمد بن عبد الوهاب أخذ ينشرها بالإقناع والموعظة ومحمد بن سعود ينشر معها نفوذه وسلطانه في نجد. فعارضه أهل الرياض من ذلك الإقليم بقيادة أميرهم دهيم بن دواس، وحمل برجاله على المنفوحة فعادوا خائبين. فتشدد ابن سعود وشيخه ابن عبد الوهاب وتمكنا من الثبات في الدعوة. فتزوج ابن سعود ابنة محمد بن عبد الوهاب فولدت عبد العزيز فخلف أباه عند موته سنة ١٧٦٥، وكان الوهابيون قد تكاثروا وصاروا جندًا كبيرًا فحمل بهم على أطراف جزيرة العرب.
وكان عبد العزيز شجاعًا حازمًا شديد البطش مع تقوى وورع، فغدره رجل من فارس بطعنة خنجر وهو يصلي فقتله سنة ١٨٠٣، فخلفه ابنه سعود وكان قد تعوَّد الحرب من صغره، فقاد بعض رجال أبيه وهو لا يزال في الثانية عشرة من عمره. ثم ما زال يقود الجند في الحروب حتى هدَّد الدولة العثمانية في الشام والعراق. وكان جميل الخِلقة عاقلًا حكيمًا، وقد قام في اعتقاد العرب أنه لا يلبث أن ينشر هذا المذهب في العالم كله فحاموا حوله. فخافت الدولة العثمانية بطشه فجنَّدت إليه حملة بقيادة سليمان باشا فقهرها، ثم حمل بعشرين ألف مقاتل على كربلاء وفيها قبور أئمة الشيعة وصاح برجاله: «اقتلوا هؤلاء الكفار الذين يُشرِكون بالله.» فأخذوا في هدم المزارات كلها من قبر الحسين إلى أقل الأبنية. فلم يتركوا حجرًا على حجر، واستولوا على ما كان هناك من التحف والأموال، واستعانوا بها على أمورهم.
وفي السنة التالية فتحوا مكة ودخل سعود الكعبة رسميًّا في ٢٧ أبريل سنة ١٨٠٣ واستولى على ما فيها من التحف، وشدد في نشر تعاليمه هناك. فبطل التدخين وكف الناس عن تعاطي المُسكِرات وعكفوا على الصلوات. وبادر سعود فكتب إلى السلطان سليم الثالث وهو يومئذٍ على العرش العثماني كتابًا هذا معناه:
من سعود إلى سليم: أما بعدُ فقد دخلت مكة في الرابع من المحرم سنة ١٢١٨ﻫ وأمَّنت أهلها على أرواحهم وأموالهم بعد أن هدمت ما هناك من أشباه الوثنية وألغيت الضرائب إلا ما كان منها حقًّا، وثَبَّتُّ القاضي الذي وليته أنت طبقًا للشرع الإسلامي، فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور؛ فإن ذلك ليس من الدين في شيء. وعليك رحمة الله وبركاته.
ولم تمض تلك السنة حتى دخلت المدينة في حوزة الوهابيين وأجرى سعود فيها إصلاحه الديني، فهدم قبة القبر النبوي، ونزع الستائر التي كانت هناك. وأخذ في نشر سياداته على بلاد العرب، فأصبحت حدود مملكته سنة ١٨٠٩ من الشمال صحراء سوريا ومن الجنوب بحر العرب ومن الشرق خليج العجم ومن الغرب البحر الأحمر، وقد استفحل أمرهم ولم يَرَ الباب العالي بُدًّا من تكليف بطل مصر ومُحيِي معالمها رحمه الله.
فأجاب محمد علي مطيعًا، وجعل يجمع القوات اللازمة لتلك الحملة لكنه فكر في أمر المماليك، فخشي إذا سارت الحملة أن لا تكون البلاد في مأمن منهم، فيجمعوا كلمتهم ويعودوا إلى ما كانوا عليه من القلاقل، فعمد إلى إهلاكهم قبل مسير الحملة. لكنه في الوقت نفسه أخذ في إعداد المهمات، فجند أربعة آلاف مقاتل تحت قيادة ابنه طوسون باشا، ثم طلب إلى الباب العالي أن يبعث إلى السويس بالأخشاب لبناء المراكب اللازمة لنقل الجند ومعَدَّات الحرب، فأرسل إليه ما طلب فابتنى ثمانية عشر مركبًا وأعدها عند السويس في انتظار الحملة.
مذبحة المماليك
أما المماليك فكانوا قد يئِسوا من الاستقلال بالأحكام، بعد أن رأوا ما حل بسلفائهم وما عليه محمد علي باشا من العزيمة، فكفوا عن مطامعهم واكتفوا بالتمتع بأرزاقهم وممتلكاتهم في حالة سلمية. فقطن بعضهم الصعيد وبعضهم القاهرة وتشتتوا في أنحاء القطر. وكان شاهين بك — وهو الذي تولى رئاستهم بعد وفاة الألفي — قد أذعن لمحمد علي باشا كما تقدَّم. فأقطعه أرضًا بين الجيزة وبني سويف والفيوم فأوى إليها. وفي محرم سنة ١٢٢٦ﻫ/فبراير (شباط) سنة ١٨١١م سار قُوَّادُ الحملة من القاهرة، وعسكروا في قبة العزب في الصحراء ينتظرون سائر الحملة ومعها طوسون باشا. وتعين يوم الجمعة لوداع طوسون والاحتفال بخروجه ورِجَالِهِ إلى قبة العزب، فأعلن ذلك في المدينة، ودُعِيَ كل الأعيان لحضور ذلك الاحتفال، وفي جملتهم المماليك، وطلب إليهم أن يكونوا بالملابس الرسمية.
ففي يوم الجمعة ٥ صفر سنة ١٢٢٦ﻫ/أول مارس (آذار) سنة ١٨١١م احتشد الناس إلى القلعة، وجاء شاهين بك في رجاله، فاستقبلهم الباشا في قصره بكل ترحاب. ثم قُدِّمَتْ لهم القهوة وغيرها، ولما تكامل الجمع وجاءت الساعة أمر محمد علي بالمسير، فسار الموكب وكُلٌّ في مكانه منه جاعلين المماليك إلى الوراء يكتنفهم الفرسان والمشاة. حتى إذا اقتربوا من باب العزب من أبواب القلعة في مضيق بين هذا الباب والحوش العالي، أمر محمد علي فأُغلِقَت الأبواب وأشار إلى الألبانيين (الأرناءوط)، فهجموا على المماليك بغتة، فانذعر أولئك وحاولوا الفرار تسلُّقًا على الصخور، ولكنهم لم يفوزوا؛ لأن الألبانيين كانوا أكثر تعوُّدًا على تسلقها. واقتحم المشاة المماليك من ورائهم بالرصاص، فطلب هؤلاء الفرار بخيولهم من طرق أخرى، فلم يستطيعوا لصعوبة المسلم على الخيول، ولما ضُويِقَ عليهم ترجَّل بعضهم وفروا سعيًا على أقدامهم والسيوف في أيديهم، فتداركتهم الجنود بالبنادق من الشبابيك فقُتِلَ شاهين بك أمام ديوان صلاح الدين. وحاول بعضهم الالتجاء إلى الحريم أو إلى طوسون باشا بدون فائدة. ثم نودي في المدينة أن كل من يظفر بأحد المماليك في أي محل كان يأتي به إلى كخيا بك، فكانوا يقبضون عليهم ويأتون بهم إليه أفواجًا وهو يقتلهم.
شكل ٣-٥: أمين بك (المملوك الشارد).
وكان عدد المماليك المدعوين إلى الوليمة أربعمائة، فلم ينجُ منهم إلا اثنان؛ أحدهما: أحمد بك زوج عديلة هانم بنت إبراهيم بك الكبير، كان غائبًا بناحية موش. والثاني: أمين بك، أتى القلعة متأخرًا فرأى الموكب سائرًا نحو باب العزب فوقف خارج الباب ينتظر خروج الموكب. ثم لما أُقفِلت الأبواب بغتة وسمع إطلاق النار أدرك المكيدة، فهمز جواده وطلب الصحراء قاصدًا سوريا. والمتناقَل على الألسنة أن أمين بك هذا كان داخل القلعة فعندما حصلت المعركة همَز جواده فوثب به من فوق السور لجهة الميدان فقُتِلَ جواده وسلم هو، وقد صوروا تلك الإشاعة في الرسم (شكل
٣-٥) والأقرب للحقيقة أن هذه الإشاعة مختلقة أو مبالغ فيها. ثم نودي في الأسواق أن شاهين بك زعيم المماليك قُتِلَ فخافت الناس ثم طافت العساكر في المدينة ينهبون بيوت المماليك ويأخذون حريمهم وجواريهم وعلا الصياح.
وفي اليوم التالي نزل الباشا من القلعة وطوسون معه، وطاف المدينة يأمر الناس بإيقاف النهب وقتل كل من حاول ذلك، ولكنه حرَّض على قبض من يظفرون به من المماليك في سائر أنحاء القُطر، فكانوا يأتون بهم أفواجًا يسوقونهم كالغنم إلى الذبح. فبلغ عدد من قُتِلَ من البكوات ٢٣ بيكًا. وفي اليوم التالي نزل طوسون باشا إلى الأسواق في فرقة من الجند لتسكين القلوب وإيقاف النهب. أما الجثث التي كانت في القلعة فاحتفروا لها حفرًا جعلوا فوقها التراب وصرح محمد علي باشا بحماية نساء المماليك ولم يسمح بتزويجهن إلا إلى رجاله.