الدولة العثمانية وأطماع روسيا
اتسمت العلاقات بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية بقدر كبير من العداء والدموية، فمنذ سيطرة القياصرة على الحكم في روسيا،
امتلك الروس حزمة من الأطماع التوسعية في أن تكون روسيا دولة كبرى على مسرح السياسة الأوربية والدولية،
واختلطت هذه الأطماع في بعض الأحيان بعواطف دينية متعصبة، متمثلة في حماية الأرثوذكس في العالم، والسيطرة على القسطنطينية
التي فتحها السلطان محمد الفاتح، وكذلك السيطرة على الأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين.
وأدرك الروس أن تحقيق هذه الأطماع المتشابكة لن يتم إلا بالقضاء على الدولة العثمانية، خاصة في منطقتي آسيا الوسطى والبلقان،
والسعي إلى تقسيم الأملاك العثمانية بين الدول الكبرى، تمهيدا لوصول روسيا إلى المياه الدافئة،
وهو الحلم الذي ظل يراود الروس فترة طويلة من الزمن، وأدرك الروس أن ذلك لن يتحقق إلا بوجود قدر من التوافق بين روسيا والدول الأوربية الكبرى.
وبسبب هذه الأطماع الروسية فضلاً عن حالة الضعف العثمانية التي كانت تغري الدول الكبرى بالتدخل في شؤونها.
وقعت عشرات الحروب بين العثمانيين والروس، استغرقت أكثر من ثلاث قرون.
ورأت فرنسا وبريطانيا في هذه الحروب الطويلة والعنيفة بين الجانبين تحقيقا لمصالحهما، من حيث إضعاف روسيا وردعها
عن التدخل الفاعل والنشط في السياسة الأوروبية، وإبعادها عن المنافسة في المجال الاستعماري،
وكذلك إضعاف الدولة العثمانية التي تتمدد أملاكها في 3 قارات تمهيدا لتقسيمها بطريقة لاتؤثر على التوازن في السياسة الدولية.
والمعروف أن الدولة التي كانت تقف حائلا دون تقسيم الدولة العثمانية والقضاء عليها في ذلك الوقت هي بريطانيا،
التي رأت أن القضاء على "رجل أوروبا المريض" (المصطلح الذي كان يطلق على الدولة العثمانية آنذاك)
فيه تهديد لمصالحها وأمن مستعمراتها في الهند، ويعني أيضا هدم دولة تقف سدا منيعا أمام الأطماع الروسية،
والحيلولة دون وصول الروس إلى المياه الدافئة ومن ثم مزاحمة بريطانيا في أماكن نفوذها.
أما فرنسا فقد كانت ذات سياسة متغيرة، ولم تكن يتملكها نفس الخوف من الدور الروسي مثلما هو الحال في بريطانيا،
ولعل هذا ماحصر النفوذ الفرنسي (نسبيا) في الحصول على بعض الامتيازات من العثمانيين لحماية مصالحها ورعاياها.
حلقات الصراع
كان القيصر الروسي نيقولا الأول متعصبا دينيا، ويدرك أن حركة التجديدات والإصلاحات داخل الدولة العثمانية سوف تنعكس بصورة أو بأخرى
على الأطماع والنفوذ الروسي خاصة في منطقة البلقان، لأن تقوية الدولة العثمانية تعني ألا تصل روسيا إلى المياه الدافئة.
ورأى نيقولا أن نجاح العثمانيين في توطيد علاقتهم ببريطانيا سياسة شريرة تتبعها الدولة العثمانية للإضرار بالمصالح الروسية،
ولذا قرر أن يختم حياته بتأديب الدولة العثمانية، لكنه أدرك أن قيامه بهذا السلوك المعادي ضد العثمانيين لن يتم بدون موافقة بريطانيا،
ولذا عقد القيصر لقاء مع السفير البريطاني في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية،
وتناول اللقاء عرضا روسيا باقتسام الدولة العثمانية أو على الأقل تقليم أطرافها.
أرادت بريطانيا أن تنصب مصيدة بعناية لإيقاع روسيا في حرب ضد الدولة العثمانية لاستغلال هذه الحرب في توجيه ضربة عنيفة لروسيا
تدفعها للارتداد خلف حدودها مرة أخرى، وتحجبها عن الظهور على مسرح السياسة الأوروبية
ولذا أطلعت بريطانيا العثمانيين على حقيقة النوايا الروسية السرية.
لم يستوعب نيقولا الأول المتعصب دينيا حقيقة أن تقف دولة مسيحية مثل بريطانيا مع العثمانيين ضد روسيا المسيحية،
وكان تقديره للموقف أنه سيقاتل الدولة العثمانية بمفردها، وأنه سيحقق انتصارا سهلا عليها،
يمكنه من انتزاع ولو بعضا من المكاسب كالتي حققتها روسيا في "معاهدة أونكيار سكلسي"
التي وقعتها روسيا مع الدولة العثمانية في (21 صفر 1249 هـ 8 يوليو 1833م)، ونصت على إغلاق المضايق التركية أمام
جميع السفن الحربية، بينما سمحت للأسطول الروسي بدخول مضيق البوسفور للدفاع عن الأستانة،
وبذلك تحررت روسيا من كثير من التهديدات البريطانية والفرنسية في البحر الأسود.
ولم تغب فرنسا عما يجري حيث كانت تعتبر بريطانيا أكبر منافس استعماري لها في العالم،
وتحالف لندن مع الدولة العثمانية دونها يعني تمكن بريطانيا من تحقيق كثير من الأطماع الاستعمارية في الدولة العثمانية
على حساب المطامع الفرنسية ولذا قررت باريس أن تبني موقفها بالتحالف مع بريطانيا.
وأدرك الفرنسيون أن دخول بريطانيا الحرب لمساندة العثمانيين يحتم على باريس أن تدخل هي الأخرى إلى تلك الحرب، حتى لا تستحوذ
بريطانيا على الموقف الأقوى في السياسة العالمية.
أما تونس ذات السيادة والاستقلالية عن الدولة العثمانية فقد كان هدفها الأساسي من المشاركة في هذه الحرب
هو إستعراض جيشها الجديد أمام الفرنسيين الذين كانوا قد إحتلوا الجزائر سنة 1830
وذلك بغرض إظهار قدراتها على الردّع وامتلاكها جيش عصرياً قادراً على الدفاع عنها في حال
تمادت الأطماع الفرنسية وأرادت إحتلال تونس، وهو ما حصل سنة 1881.
اتسمت العلاقات بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية بقدر كبير من العداء والدموية، فمنذ سيطرة القياصرة على الحكم في روسيا،
امتلك الروس حزمة من الأطماع التوسعية في أن تكون روسيا دولة كبرى على مسرح السياسة الأوربية والدولية،
واختلطت هذه الأطماع في بعض الأحيان بعواطف دينية متعصبة، متمثلة في حماية الأرثوذكس في العالم، والسيطرة على القسطنطينية
التي فتحها السلطان محمد الفاتح، وكذلك السيطرة على الأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين.
وأدرك الروس أن تحقيق هذه الأطماع المتشابكة لن يتم إلا بالقضاء على الدولة العثمانية، خاصة في منطقتي آسيا الوسطى والبلقان،
والسعي إلى تقسيم الأملاك العثمانية بين الدول الكبرى، تمهيدا لوصول روسيا إلى المياه الدافئة،
وهو الحلم الذي ظل يراود الروس فترة طويلة من الزمن، وأدرك الروس أن ذلك لن يتحقق إلا بوجود قدر من التوافق بين روسيا والدول الأوربية الكبرى.
وبسبب هذه الأطماع الروسية فضلاً عن حالة الضعف العثمانية التي كانت تغري الدول الكبرى بالتدخل في شؤونها.
وقعت عشرات الحروب بين العثمانيين والروس، استغرقت أكثر من ثلاث قرون.
ورأت فرنسا وبريطانيا في هذه الحروب الطويلة والعنيفة بين الجانبين تحقيقا لمصالحهما، من حيث إضعاف روسيا وردعها
عن التدخل الفاعل والنشط في السياسة الأوروبية، وإبعادها عن المنافسة في المجال الاستعماري،
وكذلك إضعاف الدولة العثمانية التي تتمدد أملاكها في 3 قارات تمهيدا لتقسيمها بطريقة لاتؤثر على التوازن في السياسة الدولية.
والمعروف أن الدولة التي كانت تقف حائلا دون تقسيم الدولة العثمانية والقضاء عليها في ذلك الوقت هي بريطانيا،
التي رأت أن القضاء على "رجل أوروبا المريض" (المصطلح الذي كان يطلق على الدولة العثمانية آنذاك)
فيه تهديد لمصالحها وأمن مستعمراتها في الهند، ويعني أيضا هدم دولة تقف سدا منيعا أمام الأطماع الروسية،
والحيلولة دون وصول الروس إلى المياه الدافئة ومن ثم مزاحمة بريطانيا في أماكن نفوذها.
أما فرنسا فقد كانت ذات سياسة متغيرة، ولم تكن يتملكها نفس الخوف من الدور الروسي مثلما هو الحال في بريطانيا،
ولعل هذا ماحصر النفوذ الفرنسي (نسبيا) في الحصول على بعض الامتيازات من العثمانيين لحماية مصالحها ورعاياها.
حلقات الصراع
كان القيصر الروسي نيقولا الأول متعصبا دينيا، ويدرك أن حركة التجديدات والإصلاحات داخل الدولة العثمانية سوف تنعكس بصورة أو بأخرى
على الأطماع والنفوذ الروسي خاصة في منطقة البلقان، لأن تقوية الدولة العثمانية تعني ألا تصل روسيا إلى المياه الدافئة.
ورأى نيقولا أن نجاح العثمانيين في توطيد علاقتهم ببريطانيا سياسة شريرة تتبعها الدولة العثمانية للإضرار بالمصالح الروسية،
ولذا قرر أن يختم حياته بتأديب الدولة العثمانية، لكنه أدرك أن قيامه بهذا السلوك المعادي ضد العثمانيين لن يتم بدون موافقة بريطانيا،
ولذا عقد القيصر لقاء مع السفير البريطاني في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية،
وتناول اللقاء عرضا روسيا باقتسام الدولة العثمانية أو على الأقل تقليم أطرافها.
أرادت بريطانيا أن تنصب مصيدة بعناية لإيقاع روسيا في حرب ضد الدولة العثمانية لاستغلال هذه الحرب في توجيه ضربة عنيفة لروسيا
تدفعها للارتداد خلف حدودها مرة أخرى، وتحجبها عن الظهور على مسرح السياسة الأوروبية
ولذا أطلعت بريطانيا العثمانيين على حقيقة النوايا الروسية السرية.
لم يستوعب نيقولا الأول المتعصب دينيا حقيقة أن تقف دولة مسيحية مثل بريطانيا مع العثمانيين ضد روسيا المسيحية،
وكان تقديره للموقف أنه سيقاتل الدولة العثمانية بمفردها، وأنه سيحقق انتصارا سهلا عليها،
يمكنه من انتزاع ولو بعضا من المكاسب كالتي حققتها روسيا في "معاهدة أونكيار سكلسي"
التي وقعتها روسيا مع الدولة العثمانية في (21 صفر 1249 هـ 8 يوليو 1833م)، ونصت على إغلاق المضايق التركية أمام
جميع السفن الحربية، بينما سمحت للأسطول الروسي بدخول مضيق البوسفور للدفاع عن الأستانة،
وبذلك تحررت روسيا من كثير من التهديدات البريطانية والفرنسية في البحر الأسود.
ولم تغب فرنسا عما يجري حيث كانت تعتبر بريطانيا أكبر منافس استعماري لها في العالم،
وتحالف لندن مع الدولة العثمانية دونها يعني تمكن بريطانيا من تحقيق كثير من الأطماع الاستعمارية في الدولة العثمانية
على حساب المطامع الفرنسية ولذا قررت باريس أن تبني موقفها بالتحالف مع بريطانيا.
وأدرك الفرنسيون أن دخول بريطانيا الحرب لمساندة العثمانيين يحتم على باريس أن تدخل هي الأخرى إلى تلك الحرب، حتى لا تستحوذ
بريطانيا على الموقف الأقوى في السياسة العالمية.
أما تونس ذات السيادة والاستقلالية عن الدولة العثمانية فقد كان هدفها الأساسي من المشاركة في هذه الحرب
هو إستعراض جيشها الجديد أمام الفرنسيين الذين كانوا قد إحتلوا الجزائر سنة 1830
وذلك بغرض إظهار قدراتها على الردّع وامتلاكها جيش عصرياً قادراً على الدفاع عنها في حال
تمادت الأطماع الفرنسية وأرادت إحتلال تونس، وهو ما حصل سنة 1881.
