النقاط
117
الحلول
0
- إنضم
- 2020-03-29
- المشاركات
- 3,000
- مستوى التفاعل
- 1,708
- النقاط
- 117
- الإقامة
- عالم من ورق
منهج الجاحظ فى البخلاء :
بدأ الجاحظ فحدد موضوع كتابه بأنه يتناول "نوادر البخلاء واحتجاج الاشحاء"() مع وعد بالكشف عن تركيبهم المتضاد ، ومزاجهم المتنافى ، الذى عاندوا له الحق ، وخالفوا به الأمم() .
كما حدد الغرض منه بأنه محاولة لاستعراض عيوب البخل ، الظاهر منها والخفى ، حتى يمكن تجنبها والتخلص مما قد يكون بالإنسان منها ، وهو لا يدرى .
ثم أشار إلى أهمية الموضوع فذكر أن معرفة داء البخل من أهم ما ينبغى لكل ذى مروءة أن يلم به ، حتى يحمى من الذم عرضه، ويطهر من اللؤم سيرته .
وقد صرح الجاحظ بأنه قد اعتمد فى مادة البخلاء على مصدرين : أحدهما ملاحظاته الشخصية عن البخلاء وتجاربه معهم . والثانى : الروايات التى انتهت إليه "من أخبارهم على وجهها"– أى دون تدخل فيها بحذف أو تغيير .
وقد عبر الجاحظ سريعا على خطة الكتاب ، فقال : "ونحن نبتدئ برسالة سه بن هارون ، ثم بطرف أهل خرسان ، لاكثار الناس فى أهل خراسان" .
والواقع أن الترتيب الموضوعى لم يكن فى حسبان الجاحظ ، وهو يضع هذا الكتاب . فالقصص والنوادر تتوالى دون رابط عقلى متطور ، وتختلط ، إلى حد كبير ، موضوعات البخل على النفس ، مع البخل على الاقارب ، مع البخل على الاصدقاء .. وهكذا .
وقد يمكن القول بأن الترتيب الذى ننشده ، لا يتلاءم مع الموضوع الذى قصد من تناوله : وضع لمسة من هنا ، ولمسة من هناك ، حتى تكتمل ، لدى القارئ فى النهاية ، صورة واضحة عن ذلك الخلق الردئ المشتبك فى أعماق النفس الإنسانية .
الاساس اذن نفسى . فلا ينبغى أن نطالب صاحبه بترتيب عقلى . وأن كان هذا لا يمنعنا ، عند الدراسة التحليلية ، أن نصنفه على أساس المنهج العقلى .
يقال : أن المؤلف أدرى الناس بعيوب كتابه . وعظمة الجاحظ تتمثل فى تصريحه بأحد هذه العيوب ، حين يذكر أن الكتاب لن يكون مكتملا تماما طالما أنه أسقط منه بعض أسماء الشخصيات التى تحدث عن بخلها "أما خوفا منهم أو مجاملة لهم – ولكنه يتعزى عن ذلك بأن ها هنا "أحاديث" كثيرة متى أطلعنا منها حرفا عرف أصحابها ، وأن لم نسهم ، ولم ترد ذلك بهم".
وازاء هذه الروح العلمية الامينة لا يمكن للباحث أن ينتهى من قراءة "البخلاء" حتى يكون قد تكون فى ذهنه سؤال ملح :
- هل خلت التخصص والنوادر المروية تماما من تدخل الجاحظ فيها ؟
ان الرصد المتأنى لادق التصرفات الانسانية ، والملاحظة الذكية لاسرع انفعالات النفس ، ثم تقديم هذا وذاك فى صور كارياتيرية نابضة بالحياة والحركة ، كل هذا يدل على أن للجاحظ نصيبا كبيرا ، بل أكبر مما يتصور ، فى مادة البخلاء . وسوف نشير فى أثناء التحليل إلى بعض الملاحظات التى تؤكد هذه الدلالة .
ظاهرة البخل :
كان اهتمام الجاحظ بظاهرة البخل كبيرا . ولا يمكن بحال ما أن نغفل الجهد الذى بذله فى تبع هذه الظاهرة : رصدا ، وتحليلا ، وتسجيلا .
ولا شك فى أن الآثار الاجتماعية والخلقية لهذه الظاهرة على عصره قد شدته إليها بعنف ، ما جعله يتقدم لعلاجها فى مثل هذا الاهتمام . ويتمثل الجهد الذى بذله الجاحظ فيما يلى :
- جمع حكايات البخلاء ونوادرهم من الرواة أو من الكتب .
- السعى إليهم بنفسه ، وانفاق الكثير من الوقت لمعايشتهم رغبة فى الوقوف على أحوالهم بدقة .
- الدخول معهم فى مناقشات مستفيضة حول البخل : مصدره ، وعيوبه ، والآثار الاجتماعية الناجمة عنه .
- التعليق على نوادرهم بسخرية حادة . والتركيز على كل ما يحط قدرهم ، ويسقط مروءتهم .
هذا وقد انطلق الجاحظ من بداية طبيعية ومعقولة فى آن واحد ، وهى أن البخل الذى اهتم بتسجيل ظواهره ، هو ذلك النوع العادى ، الممكن وجوده فى الناس ، والمحتمل حدوثه فى كل وقت ، لا ذلك البخل الشاذ الذى يبدو فى ظواهر مفردة ومتفرقة ، غير محكوم باتجاه مطرد ، أو نزعة علمي فهو يقول : "وإنما نحكى ما كان فى الناس ، وما يجوز أن يكون فيهم مثله" .
لذلك نراه لا يتعرض لقوم فقراء يضيقون على أنفسهم وأخوانهم لأنهم لا يجدون ما يوسعون به عليهم . فيقول : وقد عاب ناس أهل المازح والمدبر بأمور .. وأهل المازح لا يعرفون بالبخل ، ولكنهم أسوأ الناس حالا ، فتقديرهم على قدر عيشهم . وإنما نحكى عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر ، وبين خصب البلاد وعيش أهل الجدب. فأما من يضيق على نفسه لأنه لا يعرف الا الضيق ، فليس سبيله سبيل القم" .
فإذا ما تدرجنا مع الجاحظ من هذه لبداية الطبيعية ، أمكننا أن نحصر عدة مظاهر أو أنماط للبخل ، وجدنا من المناسب تصنيفها على الوجه التالى :
- البخل على النفس .
- البخل على الامهات .
- البخل فى الحياة الزوجية .
- البخل فى الابناء .
- البخل على الخدم .
- البخل على الأقارب .
- البخل على الاصحاب .
- البخل فى مجال المعاملات .
- البخل فى السلوك .
- انعكاس البخل على المظهر الخارجى للانسان .
1-البخل فى النفس :
قال الجاحظ : حدثنى محمد لن حسان . قال : أخبرنى زكريا القطان . قال : كان للغزال قطعة أرض قدام حانوتى ، فأكى نصفها من سماك ، يسقط عنه ما استطاع من مؤنة الكراء . وكان الغزال أعجوبة فى البخل !
كان يجىء من منزله ومعه رغيف فى كمه (جيبه) فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم . فإذا أعيا عليه الأمر . أخذ من ساكنه جوافة (بضم الجيم : واحدة من سردين ردئ) بحبة (1/16 من الدرهم) وأثبت عليها فلسا (1/96 من الدرهم) فى حسابه .
فإذا أراد أن يتغذى أخذ الجوافة . فسمحها على وجه الرغيف، ثم عض عليه ، وربما فتح بطن الجوافة ، فقضم جنبها وبطنها باللقمة بعد اللقمة ، فإذا خاف أن يمزقها ذلك ، ويذهب ببطنها طلب من السماك شيئًا من ملح السمك ، فحشا جوفها لينفخها ، وليوهم أن هذا هو ملحها الذى ملحت به من قبل ، ولربما غلبته شهوته فكدم طرف أتفها ، وأخذ من طرف الأرنبة ما يسيغ به لقمته . وكان ذلك منه لا يكون الا فى آخر لقمة ليطيب فمه بها ، ثم يضعها فى ناحية .
فإذا اشترى من امرأة غزلا . أدخل تلك الجوافة فى ثمن الغزل ، من طريق ادخال العروض ، وحسبها عليها بفلس ، فيسترجع رأس المال ، ويفضل الادم !!() .
ومن الواضح أن القصة لا تحتاج إلى تعليق . غير أنه من الممكن أن نتوقف قليلا أمام ما ورد فيها من مظاهر البخل التى تتصل بالسلوك ، وتستتبع عدد آخر من الأخلاق الرديئة كالظلم ، والاستغلال والتحليل .
فالغزال أولا يؤجر قطعة أرض مستأجرة له من الباطن – كما يشيع فى عصرنا الحاضر – حتى يسقط قدرا من أجرتها عليه . وثانيا : يستغل مركزه كصاحب عقار ، فيظلم البائع بأن يأخذ منه ما يساوى حبة بفلس ، وليته يدفع الثمن فى الحال وإنما يجعله من أجرة الأرض ، ثم هو لا يلبث أن يستمنح السماك – دون مقابل – قدرا من الملح ليصلح به ما أفسده ، وأخيرا ينتهز حاجة امرأة فقيرة تبيعة غزلها ، فيضطرها لقبول السمكة – فى حالتها المتهرئة – من ثمن الغزل ، فى صفقة يحصل منها فى الحال على ما اشتراه بالأجل !
فإذا عدنا إلى ذلك التصوير السينمائى الرائع للغزال وهو يتعامل مع السمكة فى نهم وحرص . فى اقدام وشفقة ، وجدنا أنفنا نضحك كثيرا ، ولكنه الضحك الذى يولد فينا الاشمئزاز من أمثاله ، ويستثير من أعماقنا الكراهية لهم .
2. البخل في الابناء:
ونموذج آخر : يقدمه الجاحظ عن صديقه اليزيدى الذى توفى أبوه عن ثروة طائلة ، فاقتسمها هو وأخوه قبل دفنه . يروى الجاحظ :
قلت له – وقد ورث هذا المال كله – ما أبطأ بك الليلة ؟
قال : لا ، والله ، الا أنى تعشيت البارحة فى البيت .
فقلت لاصحابنا : لولا أنه بعيد العهد بالاكل فى بيته ، وأن ذلك غريب منه ، لما احتاج إلى هذا الاستثناء ، وإلى هذه الشريطة.. وأين يتعشى الناس غلا فى منازلهم ؟! وإنما يقول الرجل عند مثل هذا السؤال : لا ، والله ، الا أن فلانا حبسنى . ولا والله غلا أن فلانا عزم على . فأما أن يستثنى ويشترط فهذا ما لا يكون غلا على ما ذكرناه" .
ثم يعلق الجاحظ قائلا : "ولا تقولوا الآن : قد ، والله أساء أبو عثمان إلى صديقه . ومن كانت هذه صفته ، وهذا مذهبه فغير مأمون على جليسه .. اعلموا أنى لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه الا موافقته ، وطلب رضاه ومحبته ، لقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيسا من قبله . وكمينا من كمائنه ، وذلك أن أحب الأصحاب إليه : أبلغهم قولا فى أياس الناس مما قبله ، وأجودهم حسما لاسباب الطمع فى ماله .
على أنى أن أحسنت بجهدى ، فسيجعل شكرى موقوفا. وإن جاوز كتابى هذا حدود العراق شكر ، والا أمسك . لأن شهرته بالقبيح عند نفسه فى هذا الإقليم قد أغنته عن التنويه والتنبيه على مذهبه"() .
2-البخل على الامهات :
فقد لا نعثر فى كتاب لبخلاء على نماذج من البخل على الآباء، وإنما نلتقى فقط بنماذج البخل على الامهات . فهل يمكن تفسير ذلك بأن الجاحظ – وقد أدرك أن ارتباط الانسان بأمه أقوى وأشد من ارتباطه بأبيه – اكتفى بذكر البخل على الامهات ، ليشمل بالضرورة البخل على الآباء اذ لا يتصور أن يبخل الانسان على أمه ثم يكون أكثر تسامحًا مع أبيه .
كتب الجاحظ : حدثتنى امرأة تعرف الامور ، قالت : كان فى الحى مأتم اجتمع فيه عجائز الحى . فلما رأين أن أهل الميت قد أقمن المناحة ، اعتزلن وتحدثن ، فبينما هن فى الحديث ، إذ ذكرن بر الابناء بالامهات ، وانفاقهم عليهم . وذكرت كل واحدة منهن ما يوليها ابنها – هذا وأم فيلويه (تنطق مثل سيبوية) ساكتة . وكانت امرأة صالحة ، وابنها يظهر النسك ، ويدين البخل ، وله حانوت فى مقبرة بنى حصن ، يبيع فيه الأسقاط .
فأقبلت على أم فيلويه ، قلت لها : مالك لا تتحدثين معنا من ابنك ، كما يتحدثن ؟ وكيف صنع فيلويه فيما بينك وبينه ؟ .
قالت : كان يجرى على فى كل أضحى درهما . فقالت : وقد قطعه أيضا لقلت : وما كان يجرى الا درهما ؟ قلت : ما كان يجرى على الا ذلك . ولقد ربما أدخل أضحى فى أضحى ! فقلت : يا أم فيلويه ، وكيف يدخل أضحى فى أضحى ؟ قد يقول الناس : ان فلانا أدخل شهرا فى شهر ، ويوما فى يوم ، فأما أضحى فى أضحى فهذا شئ لا يشركه فيه أحد !!() .
فإذا تأملنا وصف فيلويه بأنه كان ممن "يظهر النسك" أمكننا أن ندرك بعدا آخر للقصة ، وهو أن محاولة الاكتساء بالمظهر الدينى وحده لا يمكن أن تخدع المجتمع . كما أن قيمة الإنسان الحقيقية أنما تكمن فى مقدار عطائه للآخرين . وأى جدوى منه أن لم يفض هذا العطاء على أقرب الناس اليه ؟! .
ونموذج آخر : يقول الجاحظ حدثنى المكى قال : كنت يوما عند العنبرى ، إذا جاءت جارية أمه ، ومعها كوز فارغ ، فقالت : قلت أمك : بلغنى أن عندك مزملة (جرة يوضع حولها ثوب مبتل ليبردها) ويومنا يم حار ، فابعث إلى بشربة منها فى هذا الكوز .
قال : كذبت . أى أعقل من أن تبعث بكوز فارغ ، وترده ملآن . اذهبى فاملئيه من حبكم (بضم الحاء وهو الزير) وفرغيه فى حبنا ، ثم املئيه من ماء مزملتنا ، حتى يكون شئ بشئ ! .
بدأ الجاحظ فحدد موضوع كتابه بأنه يتناول "نوادر البخلاء واحتجاج الاشحاء"() مع وعد بالكشف عن تركيبهم المتضاد ، ومزاجهم المتنافى ، الذى عاندوا له الحق ، وخالفوا به الأمم() .
كما حدد الغرض منه بأنه محاولة لاستعراض عيوب البخل ، الظاهر منها والخفى ، حتى يمكن تجنبها والتخلص مما قد يكون بالإنسان منها ، وهو لا يدرى .
ثم أشار إلى أهمية الموضوع فذكر أن معرفة داء البخل من أهم ما ينبغى لكل ذى مروءة أن يلم به ، حتى يحمى من الذم عرضه، ويطهر من اللؤم سيرته .
وقد صرح الجاحظ بأنه قد اعتمد فى مادة البخلاء على مصدرين : أحدهما ملاحظاته الشخصية عن البخلاء وتجاربه معهم . والثانى : الروايات التى انتهت إليه "من أخبارهم على وجهها"– أى دون تدخل فيها بحذف أو تغيير .
وقد عبر الجاحظ سريعا على خطة الكتاب ، فقال : "ونحن نبتدئ برسالة سه بن هارون ، ثم بطرف أهل خرسان ، لاكثار الناس فى أهل خراسان" .
والواقع أن الترتيب الموضوعى لم يكن فى حسبان الجاحظ ، وهو يضع هذا الكتاب . فالقصص والنوادر تتوالى دون رابط عقلى متطور ، وتختلط ، إلى حد كبير ، موضوعات البخل على النفس ، مع البخل على الاقارب ، مع البخل على الاصدقاء .. وهكذا .
وقد يمكن القول بأن الترتيب الذى ننشده ، لا يتلاءم مع الموضوع الذى قصد من تناوله : وضع لمسة من هنا ، ولمسة من هناك ، حتى تكتمل ، لدى القارئ فى النهاية ، صورة واضحة عن ذلك الخلق الردئ المشتبك فى أعماق النفس الإنسانية .
الاساس اذن نفسى . فلا ينبغى أن نطالب صاحبه بترتيب عقلى . وأن كان هذا لا يمنعنا ، عند الدراسة التحليلية ، أن نصنفه على أساس المنهج العقلى .
يقال : أن المؤلف أدرى الناس بعيوب كتابه . وعظمة الجاحظ تتمثل فى تصريحه بأحد هذه العيوب ، حين يذكر أن الكتاب لن يكون مكتملا تماما طالما أنه أسقط منه بعض أسماء الشخصيات التى تحدث عن بخلها "أما خوفا منهم أو مجاملة لهم – ولكنه يتعزى عن ذلك بأن ها هنا "أحاديث" كثيرة متى أطلعنا منها حرفا عرف أصحابها ، وأن لم نسهم ، ولم ترد ذلك بهم".
وازاء هذه الروح العلمية الامينة لا يمكن للباحث أن ينتهى من قراءة "البخلاء" حتى يكون قد تكون فى ذهنه سؤال ملح :
- هل خلت التخصص والنوادر المروية تماما من تدخل الجاحظ فيها ؟
ان الرصد المتأنى لادق التصرفات الانسانية ، والملاحظة الذكية لاسرع انفعالات النفس ، ثم تقديم هذا وذاك فى صور كارياتيرية نابضة بالحياة والحركة ، كل هذا يدل على أن للجاحظ نصيبا كبيرا ، بل أكبر مما يتصور ، فى مادة البخلاء . وسوف نشير فى أثناء التحليل إلى بعض الملاحظات التى تؤكد هذه الدلالة .
ظاهرة البخل :
كان اهتمام الجاحظ بظاهرة البخل كبيرا . ولا يمكن بحال ما أن نغفل الجهد الذى بذله فى تبع هذه الظاهرة : رصدا ، وتحليلا ، وتسجيلا .
ولا شك فى أن الآثار الاجتماعية والخلقية لهذه الظاهرة على عصره قد شدته إليها بعنف ، ما جعله يتقدم لعلاجها فى مثل هذا الاهتمام . ويتمثل الجهد الذى بذله الجاحظ فيما يلى :
- جمع حكايات البخلاء ونوادرهم من الرواة أو من الكتب .
- السعى إليهم بنفسه ، وانفاق الكثير من الوقت لمعايشتهم رغبة فى الوقوف على أحوالهم بدقة .
- الدخول معهم فى مناقشات مستفيضة حول البخل : مصدره ، وعيوبه ، والآثار الاجتماعية الناجمة عنه .
- التعليق على نوادرهم بسخرية حادة . والتركيز على كل ما يحط قدرهم ، ويسقط مروءتهم .
هذا وقد انطلق الجاحظ من بداية طبيعية ومعقولة فى آن واحد ، وهى أن البخل الذى اهتم بتسجيل ظواهره ، هو ذلك النوع العادى ، الممكن وجوده فى الناس ، والمحتمل حدوثه فى كل وقت ، لا ذلك البخل الشاذ الذى يبدو فى ظواهر مفردة ومتفرقة ، غير محكوم باتجاه مطرد ، أو نزعة علمي فهو يقول : "وإنما نحكى ما كان فى الناس ، وما يجوز أن يكون فيهم مثله" .
لذلك نراه لا يتعرض لقوم فقراء يضيقون على أنفسهم وأخوانهم لأنهم لا يجدون ما يوسعون به عليهم . فيقول : وقد عاب ناس أهل المازح والمدبر بأمور .. وأهل المازح لا يعرفون بالبخل ، ولكنهم أسوأ الناس حالا ، فتقديرهم على قدر عيشهم . وإنما نحكى عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر ، وبين خصب البلاد وعيش أهل الجدب. فأما من يضيق على نفسه لأنه لا يعرف الا الضيق ، فليس سبيله سبيل القم" .
فإذا ما تدرجنا مع الجاحظ من هذه لبداية الطبيعية ، أمكننا أن نحصر عدة مظاهر أو أنماط للبخل ، وجدنا من المناسب تصنيفها على الوجه التالى :
- البخل على النفس .
- البخل على الامهات .
- البخل فى الحياة الزوجية .
- البخل فى الابناء .
- البخل على الخدم .
- البخل على الأقارب .
- البخل على الاصحاب .
- البخل فى مجال المعاملات .
- البخل فى السلوك .
- انعكاس البخل على المظهر الخارجى للانسان .
1-البخل فى النفس :
قال الجاحظ : حدثنى محمد لن حسان . قال : أخبرنى زكريا القطان . قال : كان للغزال قطعة أرض قدام حانوتى ، فأكى نصفها من سماك ، يسقط عنه ما استطاع من مؤنة الكراء . وكان الغزال أعجوبة فى البخل !
كان يجىء من منزله ومعه رغيف فى كمه (جيبه) فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم . فإذا أعيا عليه الأمر . أخذ من ساكنه جوافة (بضم الجيم : واحدة من سردين ردئ) بحبة (1/16 من الدرهم) وأثبت عليها فلسا (1/96 من الدرهم) فى حسابه .
فإذا أراد أن يتغذى أخذ الجوافة . فسمحها على وجه الرغيف، ثم عض عليه ، وربما فتح بطن الجوافة ، فقضم جنبها وبطنها باللقمة بعد اللقمة ، فإذا خاف أن يمزقها ذلك ، ويذهب ببطنها طلب من السماك شيئًا من ملح السمك ، فحشا جوفها لينفخها ، وليوهم أن هذا هو ملحها الذى ملحت به من قبل ، ولربما غلبته شهوته فكدم طرف أتفها ، وأخذ من طرف الأرنبة ما يسيغ به لقمته . وكان ذلك منه لا يكون الا فى آخر لقمة ليطيب فمه بها ، ثم يضعها فى ناحية .
فإذا اشترى من امرأة غزلا . أدخل تلك الجوافة فى ثمن الغزل ، من طريق ادخال العروض ، وحسبها عليها بفلس ، فيسترجع رأس المال ، ويفضل الادم !!() .
ومن الواضح أن القصة لا تحتاج إلى تعليق . غير أنه من الممكن أن نتوقف قليلا أمام ما ورد فيها من مظاهر البخل التى تتصل بالسلوك ، وتستتبع عدد آخر من الأخلاق الرديئة كالظلم ، والاستغلال والتحليل .
فالغزال أولا يؤجر قطعة أرض مستأجرة له من الباطن – كما يشيع فى عصرنا الحاضر – حتى يسقط قدرا من أجرتها عليه . وثانيا : يستغل مركزه كصاحب عقار ، فيظلم البائع بأن يأخذ منه ما يساوى حبة بفلس ، وليته يدفع الثمن فى الحال وإنما يجعله من أجرة الأرض ، ثم هو لا يلبث أن يستمنح السماك – دون مقابل – قدرا من الملح ليصلح به ما أفسده ، وأخيرا ينتهز حاجة امرأة فقيرة تبيعة غزلها ، فيضطرها لقبول السمكة – فى حالتها المتهرئة – من ثمن الغزل ، فى صفقة يحصل منها فى الحال على ما اشتراه بالأجل !
فإذا عدنا إلى ذلك التصوير السينمائى الرائع للغزال وهو يتعامل مع السمكة فى نهم وحرص . فى اقدام وشفقة ، وجدنا أنفنا نضحك كثيرا ، ولكنه الضحك الذى يولد فينا الاشمئزاز من أمثاله ، ويستثير من أعماقنا الكراهية لهم .
2. البخل في الابناء:
ونموذج آخر : يقدمه الجاحظ عن صديقه اليزيدى الذى توفى أبوه عن ثروة طائلة ، فاقتسمها هو وأخوه قبل دفنه . يروى الجاحظ :
قلت له – وقد ورث هذا المال كله – ما أبطأ بك الليلة ؟
قال : لا ، والله ، الا أنى تعشيت البارحة فى البيت .
فقلت لاصحابنا : لولا أنه بعيد العهد بالاكل فى بيته ، وأن ذلك غريب منه ، لما احتاج إلى هذا الاستثناء ، وإلى هذه الشريطة.. وأين يتعشى الناس غلا فى منازلهم ؟! وإنما يقول الرجل عند مثل هذا السؤال : لا ، والله ، الا أن فلانا حبسنى . ولا والله غلا أن فلانا عزم على . فأما أن يستثنى ويشترط فهذا ما لا يكون غلا على ما ذكرناه" .
ثم يعلق الجاحظ قائلا : "ولا تقولوا الآن : قد ، والله أساء أبو عثمان إلى صديقه . ومن كانت هذه صفته ، وهذا مذهبه فغير مأمون على جليسه .. اعلموا أنى لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه الا موافقته ، وطلب رضاه ومحبته ، لقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيسا من قبله . وكمينا من كمائنه ، وذلك أن أحب الأصحاب إليه : أبلغهم قولا فى أياس الناس مما قبله ، وأجودهم حسما لاسباب الطمع فى ماله .
على أنى أن أحسنت بجهدى ، فسيجعل شكرى موقوفا. وإن جاوز كتابى هذا حدود العراق شكر ، والا أمسك . لأن شهرته بالقبيح عند نفسه فى هذا الإقليم قد أغنته عن التنويه والتنبيه على مذهبه"() .
2-البخل على الامهات :
فقد لا نعثر فى كتاب لبخلاء على نماذج من البخل على الآباء، وإنما نلتقى فقط بنماذج البخل على الامهات . فهل يمكن تفسير ذلك بأن الجاحظ – وقد أدرك أن ارتباط الانسان بأمه أقوى وأشد من ارتباطه بأبيه – اكتفى بذكر البخل على الامهات ، ليشمل بالضرورة البخل على الآباء اذ لا يتصور أن يبخل الانسان على أمه ثم يكون أكثر تسامحًا مع أبيه .
كتب الجاحظ : حدثتنى امرأة تعرف الامور ، قالت : كان فى الحى مأتم اجتمع فيه عجائز الحى . فلما رأين أن أهل الميت قد أقمن المناحة ، اعتزلن وتحدثن ، فبينما هن فى الحديث ، إذ ذكرن بر الابناء بالامهات ، وانفاقهم عليهم . وذكرت كل واحدة منهن ما يوليها ابنها – هذا وأم فيلويه (تنطق مثل سيبوية) ساكتة . وكانت امرأة صالحة ، وابنها يظهر النسك ، ويدين البخل ، وله حانوت فى مقبرة بنى حصن ، يبيع فيه الأسقاط .
فأقبلت على أم فيلويه ، قلت لها : مالك لا تتحدثين معنا من ابنك ، كما يتحدثن ؟ وكيف صنع فيلويه فيما بينك وبينه ؟ .
قالت : كان يجرى على فى كل أضحى درهما . فقالت : وقد قطعه أيضا لقلت : وما كان يجرى الا درهما ؟ قلت : ما كان يجرى على الا ذلك . ولقد ربما أدخل أضحى فى أضحى ! فقلت : يا أم فيلويه ، وكيف يدخل أضحى فى أضحى ؟ قد يقول الناس : ان فلانا أدخل شهرا فى شهر ، ويوما فى يوم ، فأما أضحى فى أضحى فهذا شئ لا يشركه فيه أحد !!() .
فإذا تأملنا وصف فيلويه بأنه كان ممن "يظهر النسك" أمكننا أن ندرك بعدا آخر للقصة ، وهو أن محاولة الاكتساء بالمظهر الدينى وحده لا يمكن أن تخدع المجتمع . كما أن قيمة الإنسان الحقيقية أنما تكمن فى مقدار عطائه للآخرين . وأى جدوى منه أن لم يفض هذا العطاء على أقرب الناس اليه ؟! .
ونموذج آخر : يقول الجاحظ حدثنى المكى قال : كنت يوما عند العنبرى ، إذا جاءت جارية أمه ، ومعها كوز فارغ ، فقالت : قلت أمك : بلغنى أن عندك مزملة (جرة يوضع حولها ثوب مبتل ليبردها) ويومنا يم حار ، فابعث إلى بشربة منها فى هذا الكوز .
قال : كذبت . أى أعقل من أن تبعث بكوز فارغ ، وترده ملآن . اذهبى فاملئيه من حبكم (بضم الحاء وهو الزير) وفرغيه فى حبنا ، ثم املئيه من ماء مزملتنا ، حتى يكون شئ بشئ ! .
