ويجب التعليق هنا بأن الأمر بالقتال إنما جاء لمحاربة من يقاتلنا فقط, دون مَن سالمنا,
وجاء التأكيد الشديد على ذلك المعنى بقول الله تعالى:
{وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة:190].
ثم التحذير للمؤمنين:{إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190],
فالله لا يحب الاعتداء, ولو كان على غير المسلمين, وفي هذا تحجيم كبير لاستمرار القتال,
وهذا فيه من الرحمة بالإنسانية جميعًا ما فيه. ويقول الله تعالى في سورة التوبة أيضًا:
{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36]،
فالقتال هنا مقيَّد, وبحسب قتالهم واجتماعهم لنا؛ يكون فرضُ اجتماعِنا لهم
وعِلَّة قتال المشركين كَافَّة أنهم يقاتلون المسلمين كافة, ومن هنا فإنه لا يجوز للمسلم أن يقاتل من لم يقاتله إلا بعلَّة واضحة,
كسلب أو نهب أو اغتصاب لحقوق المسلمين, أو بسبب ظلم أوقعوه بأحد,
والمسلمون يريدون رفع هذا الظلم, أو بسبب منعهم للمسلمين من نشر دينهم,
أو إيصال هذا الدين للغير. وهذه الآية لها دلالة خاصة؛ فهي من آيات سورة التوبة,
وهي من أُخريات ما نزل من القرآن, وتمت قراءتها في موسم الحج من العام التاسع للهجرة,
وهذا يعني أنها ليست منسوخة, ومن ثَمَّ فحكمها ثابت يقينًا.
دوافع حروب الرسول:
جاء في رسالة رسول الله إلى "المقوقس" -عظيم القبط بمصر- سنة 7هـ, 628م:
"إن لك دينًا -أي النصرانية- لن تدعه إلا لما هو خير منه, وهو الإسلام,
الكافي به الله ما سواه وما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد,
وما دعاؤنا لك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل, ولسنا ننهاك عن دين المسيح, ولكننا نأمرك به
تتفاوت دوافع القتال بين الأمم المختلفة؛ فقد يكون الباعث على القتال تسلطًا وفرضًا للقوة
كما كان عند الإغريق والرومان,
وقد يكون إغارات هوجاء للاستيلاء على الكلأ والماء كما كان عند العرب في الجاهلية,
وقد يكون عقيدة في ضمائر شعبٍ آمَنَ? زورًا وبهتانًا? بأنه فوق مستوى الشعوب كما هو عند اليهود,
وقد يكون ضرورة أَمْلَتْها السياسة بعد أن حرَّمها الدين كما كان عند المسيحية.. إلى آخر هذه الدوافع
. ولسنا نجد دافعًا من هذه الدوافع وراء القتال عند رسول الله.
لقد جاء التشريع الإسلامي فهذَّب طباع الإنسان, وعدَّل سلوكه, وأعطاه حق الدفاع عن نفسه,
ومنعه من العدوان على حقوق الآخرين, وارتفع به عن مستوى الانتقام إلى مستوى العفو؛ فقال تعالى:
{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ .
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ . إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ
النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}
[الشورى:40-43].
فمشروعية القتال في الإسلام غيرها في الأنظمة والقوانين, ومن شاء أن يدرس طبيعة الحروب الإسلامية؛
فليدرس طبيعة الإسلام ذاته حتى لا يطبق على هذه الحروب مقاييس غيرها من حروب التوسع والعدوان
. إنَّ رؤية رسول الله للدوافع التي ينبغي أن تقوم الحرب من أجلها واضحة, وهي دوافع لا ينكرها منصف,
ولا يعترض عليها محايد. وهذه الدوافع تشمل
رَ
دَّ العدوان,
والدفاع عن النفس والأهل والوطن والدين,
وذلك ما يُسَمَّى: جهاد الدفع, وتشمل الدوافع كذلك تأمين الدين
والاعتقاد للمؤمنين الذين يحاول الكافرون أن يفتنوهم عن دينهم,
وأيضًا حماية الدعوة حتى تُبَلَّغ للناس جميعًا, وأخيرًا تأديب ناكثي العهد
, وهو ما يُسَمَّى: جهاد الطلب؛ فالجهاد إذن نوعان: جهاد الدفع, وجهاد الطلب